منذ شباط الأسود من العام 2022، والتاريخ في مدينتي لم يعد يُحسب بالأيام والساعات، بل يُقاس بحجم المسافات والحدود المصطنعة التي فرضتها دبابات الاحتلال الروسي.
أربعة أعوام مضت والعدوان يواصل حربه الغاشمة، والجريمة الأكبر التي ارتكبها ويرتكبها هذا الاحتلال ليست فقط تدمير البنى التحتية أو احتلال الجغرافيا، بل هي "الاحتلال الروحي" وتفريق شمل الأسر وتحويل الدفء الإنساني إلى أشواق معلقة على خطوط النار الأمامية.حين شنت روسيا عدوانها الغاشم على أوكرانيا، اختُطف الاحتلال مدينتي واحتُجزت عائلتي خلف جدار الاحتلال،لم يكن خروجي من هناك ترفاً، بل كان رحلة بقاء قاسية؛ فقد قضيت شهوراً طويلة ومريرة تحت وطأة الاحتلال الروسي المباشر، عشت فيها تفاصيل الرعب والملاحقة. ولكوني أحمل جنسية أجنبية، أصبحت هدفاً مباشراً ومستهدفاً من قبل جيش الاحتلال الذي يرى في كل صوت حر أو هوية مغايرة تهديداً له.كان الخروج خياراً مدمياً للقلب، لكنه كان حتمياً لسببين النجاة من الاعتقال والتعذيب او القتل او الاخفاء القسري، والسعي وراء تأمين مصدر رزق من الخارج أستطيع من خلاله إعالة عائلتي تحت الاحتلال وضمان مقومات صمودها داخل أوكرانيا في وقت انعدمت فيه كل سبل العيش.تركت ابنتي وهي زهرة في الثالثة من عمرها، واليوم كبرت بعيداً عن حضني لتصبح في السابعة، طفلة تفك الحروف وتتعلم معنى الحياة تحت أصوات القذائف وتحت وطأة غياب الأب. وتركت ابني يافعاً في الثانية عشرة من عمره، واليوم يمر بمرحلة المراهقة الحرجة (16 عاماً) بلا سند يبني معه معالم رجولته، متحملاً مع والدته مسؤولية تفوق عمره في مواجهة أهوال الحرب.إن ما يعيشه أطفالي اليوم والكثير من العائلات والاطفال في أوكرانيا في مناطق النزاع الأمامية يتجاوز حدود الاحتمال البشري، فقد نشأوا في عتمة الملاجئ، واصبحت صافرات الإنذار هي الموسيقى اليومية التي تفزع مناماتهم، والنشيد الجنائزي الذي يرافق طفولتهم المسلوبة. أي أثر نفسي عميق ومرعب يتركه القصف اليومي المستمر في نفوس هؤلاء الصغار؟ وأي رعب تزرعه الطائرات المسيرة المتفجرة (الدرونات) التي تحوم في السماء كغربان الموت، تتصيد المدنيين العزل والأطفال الأبرياء في الأزقة والشوارع والاسواق؟ إنها حرب إبادة نفسية قبل أن تكون جسدية، تُحفر ندوبها عميقاً في وجدان الطفولة التي تجمدت ملامحها خلف جدران الخوف والترقب.إن هذه المقالة ليست مجرد بوح ذاتي، بل هي وثيقة سياسية وإنسانية تدين الصمت الدولي أمام مأساة تشتيت العائلات وقتل الطفولة ببطء. إن سلاح "الفصل القسري" والإرهاب النفسي الممنهج يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان ضد الإنسانية. عندما يضطر الأب لأن يرى أطفاله يكبُرون عبر شاشات الهواتف المتقطعة، وعندما تتحول الأحلام في المنام إلى كوابيس اطفال يقتلون بالصواريخ، فهذا يعني أن ماكنة الحرب تسعى الى تدمير السلم النفسي للمستقبل قبل الحاضر.سيبقى قلمي صرخة شوق لا تهدأ كإنسان واب وزوج، وصوتاً يطالب العالم والمنظمات الإنسانية بالالتفات إلى مأساة الأسر المشتتة تحت القصف وفي خطوط الاحتلال والنزاع.لن تسقط الحقوق بالتقادم، ولن تمحو الدبابات الروسية ملامح أطفالي من ذاكرتي، واللقاء قادم لا محالة؛ فالحرية والعدالة هما الكلمتان الأخيرتان في كتاب التاريخ، مهما طال ليل العدوان.
