أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

قراءة علمية في نظام 'الطيبات'

مدار الساعة,أخبار الصحة والأسرة
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتبت: المهندسة و اخصائية التغذية جمانا فاخوري - هذه الملاحظات ليست دعوة للجدل أو التقليل من أي شخص، وإنما هي رؤية مهنية لاخصائية تغذية ممارسة للمهنة ، خريجة افضل الجامعات الاردنية ، . الغرض منها تقديم تقييم علمي يعتمد على المبادئ الطبية المعروفة ومنهجية البحث العلمي.

أولًا: المؤهلات العلمية والمنهج الطبي

لا خلاف على أن الدكتور محمد العوضي - رحمه الله - كان أستاذًا جامعيًا، وهي حقيقة تُحترم وتُقدَّر. إلا أن تقييم أي طرح طبي لا ينبغي أن يعتمد على المؤهل أو المنصب الأكاديمي وحده، بل على مدى توافق الأفكار المطروحة مع الأدلة العلمية والمنهج البحثي المعتمد.

فالعبرة في الطب ليست بمنصب صاحب الرأي، وإنما بقوة الدليل الذي يستند إليه، وقابلية أفكاره للاختبار والتحقق وإعادة النتائج بصورة موضوعية.

ثانيًا: الإشكالية في الاستدلال العلمي

من الملاحظ في كثير من الطروحات المتعلقة بالنظام الغذائي المذكور أنها تبدأ أحيانًا بمقدمات علمية صحيحة، ثم يتم البناء عليها للوصول إلى استنتاجات لا تدعمها الأدلة العلمية المتاحة.

فعلى سبيل المثال، قد يُشرح فسيولوجيًا مسار هضم الطعام أو آلية عمل الأنسولين بصورة صحيحة، ثم تُستخلص نتائج لا تتفق مع الفهم الطبي الحالي لهذه العمليات الحيوية. وهذه النقطة تستدعي التمييز بين صحة المعلومة الأساسية وصحة الاستنتاج المبني عليها.

في العلوم الطبية لا يكفي أن تكون المقدمة صحيحة، بل يجب أن تكون النتيجة مرتبطة بها ارتباطًا مثبتًا بالدليل العلمي.

ثالثًا: فعالية الحميات الغذائية الصارمة

من المعروف طبيًا أن كثيرًا من المرضى الذين يعانون اضطرابات هضمية أو مشكلات مرتبطة بنمط التغذية قد يشعرون بتحسن واضح عند تطبيق أي نظام غذائي يعتمد على تقليل أو استبعاد عدد كبير من الأطعمة، خصوصًا الأطعمة المصنعة والسكريات الزائدة.

إلا أن التحسن الأولي لا يكفي وحده لإثبات أن النظام مناسب وآمن لجميع الناس وعلى المدى الطويل.

فالحميات شديدة التقييد قد تؤدي مع الوقت إلى نقص بعض العناصر الغذائية الأساسية، خاصة لدى الأطفال وكبار السن والحوامل والمرضى الذين لديهم احتياجات غذائية خاصة.

لذلك فإن تقييم أي نظام غذائي يجب أن يشمل:

مدى فعاليته.

مدى أمانه.

إمكانية الاستمرار عليه لفترات طويلة.

تأثيره على مختلف الفئات العمرية والصحية.

رابعًا: تعميم المنع الغذائي

في الممارسة الطبية يُنصح أحيانًا بمنع بعض الأطعمة عند وجود حساسية أو عدم تحمل أو تأثيرات مرضية مثبتة لدى شخص معين.

أما تعميم المنع على جميع الناس دون تمييز بين الحالات المختلفة، فهو أمر يحتاج إلى أدلة علمية قوية تثبت أن الضرر عام وشامل، وهو ما لم تثبته الدراسات المتاحة بالنسبة لكثير من الأطعمة الممنوعة في هذا النظام.

كما أن مبدأ التوازن الغذائي يظل أحد الركائز الأساسية التي تعتمدها الهيئات العلمية العالمية في التغذية.

خامسًا: الأمراض المزمنة والتحسن المؤقت

العديد من الأمراض المزمنة، خصوصًا المناعية وبعض الأمراض ذات الأسباب غير المفهومة بالكامل، تمر بطبيعتها بمراحل نشاط وخمول أو ما يُعرف بفترات التحسن والانحسار.

ولذلك فإن تحسن المريض بعد اتباع نظام غذائي معين لا يكفي وحده لإثبات أن النظام هو السبب المباشر للشفاء، ما لم يتم إثبات ذلك من خلال دراسات علمية منظمة تقارن بين مجموعات مختلفة من المرضى وتستبعد العوامل الأخرى المؤثرة.

ولهذا السبب لا تُبنى الحقائق الطبية على القصص الفردية أو عدد المتابعين أو التعليقات الإيجابية، وإنما على الدراسات المحكمة والأبحاث القابلة للتكرار.

سادسًا: الموقف من الأمراض والعلاجات المعروفة

توجد بعض الطروحات التي تنكر أو تشكك في حقائق طبية مستقرة، مثل:

وجود مرض السكري ككيان مرضي معروف.

أهمية الأنسولين لمرضى السكري من النوع الأول.

فعالية التطعيمات.

بعض المفاهيم الأساسية المتعلقة بالسرطان والعقم.

وهذه القضايا تمثل جزءًا من المعرفة الطبية الراسخة التي تستند إلى تراكم ضخم من الأدلة السريرية والتجريبية عبر عقود طويلة.

فمثلًا:

الأنسولين علاج أساسي منقذ للحياة لمرضى السكري من النوع الأول.

التطعيمات أسهمت في القضاء أو الحد بشكل كبير من أمراض خطيرة مثل الجدري وشلل الأطفال.

المضادات الحيوية أنقذت ملايين الأرواح من مضاعفات العدوى البكتيرية.

سابعًا: التدخين والسرطان

توجد علاقة مثبتة علميًا بين التدخين والعديد من أنواع السرطان وأمراض القلب والرئة.

ومن الحقائق الطبية المعروفة أن التدخين يُعد من أهم عوامل الخطورة للإصابة بسرطان المثانة، كما يرتبط بسرطانات الرئة والحنجرة وتجويف الفم وعدد من الأورام الأخرى.

لذلك فإن التقليل من مخاطر التدخين أو إنكارها يتعارض مع الأدلة الطبية المتراكمة.

ثامنًا: الأدوية والصناعة الدوائية

لا شك أن لكل دواء آثارًا جانبية محتملة، وهذا أمر معروف ومدروس ومعلن عنه في المراجع العلمية.

لكن وجود آثار جانبية لا يعني بالضرورة أن الأدوية غير مفيدة أو أن ضررها يفوق نفعها.

فالطب الحديث يعتمد على مبدأ الموازنة بين الفوائد والمخاطر، كما أن تطوير الأدوية يخضع لرقابة علمية وتنظيمية مستمرة بهدف تحسين الفعالية وتقليل المضاعفات.

تاسعًا: نقاط إيجابية تستحق التقدير

من الإنصاف الإقرار بأن الطرح الغذائي المذكور أسهم في لفت انتباه كثير من الناس إلى أهمية الغذاء وتأثيره على الصحة، كما شجع على مراجعة العادات الغذائية الخاطئة المنتشرة.

كذلك فإن هناك مبادئ صحية يتفق عليها معظم المختصين، منها:

الاعتدال في الطعام.

تجنب الإفراط في الأكل.

الحد من السكريات المكررة والدقيق الأبيض.

الاهتمام بالنشاط البدني.

شرب كميات كافية من الماء.

الإكثار من الخضروات والفواكه والبقوليات ضمن نظام غذائي متوازن.

الخلاصة

الغذاء عنصر أساسي في الوقاية وتحسين الصحة العامة، وقد تسهم بعض الأنظمة الغذائية في تخفيف أعراض أو تحسين حالات مرضية معينة. ومع ذلك، فإن تبني أي نظام علاجي أو غذائي بشكل شامل ودائم يجب أن يستند إلى أدلة علمية قوية تثبت فعاليته وأمانه على المدى الطويل.

ومن ثم فإن الاستفادة من بعض الأفكار الإيجابية لا تعني بالضرورة قبول جميع الطروحات دون تمحيص علمي. ويبقى الميزان الحقيقي في الطب هو الدليل العلمي الموثق، لا الشهرة أو عدد المتابعين أو التجارب الفردية.

رحم الله الدكتور محمد العوضي رحمة واسعة، ونسأل الله أن ينفع الناس بكل علم صحيح، وأن يرزقنا جميعًا الحكمة في طلب المعرفة والتمييز بين الرأي والدليل العلمي.


مدار الساعة ـ