الأحلام عالمٌ غامض، عصيٌّ على التفسير، لطالما حيّر الإنسان منذ القدم؛ إذ يشعر النائم أحيانًا وكأنه يعيش واقعًا آخر داخل الحلم، ثم يستيقظ ليجد أن كل ما رآه قد تبخّر فجأة. وقد يتذكّر الحلم بكل تفاصيله فور الاستيقاظ، ثم يبدأ النسيان في التسلّل، حتى تُمحى أغلب ملامحه، أو يختفي تمامًا كأنه لم يكن. ومن العجيب أيضًا أن الإنسان قد يستيقظ من حلمٍ ما، ثم يعود للنوم فيُكمِل الحلم نفسه، وكأن العقل قد أوقف شريطًا وأعاد تشغيله من حيث توقّف.
فما سرّ هذا العالم المُربِك الذي يسكن في أعماقنا ونحن غافلون؟يرى علم النفس أن الأحلام ليست عبثًا، بل لها جذورها في النفس اللاواعية؛ فبحسب نظرية "سيغموند فرويد"، تمثّل الأحلام تعبيرًا عن رغباتٍ مكبوتة لا تجد سبيلًا للظهور في اليقظة، بينما يرى عالم النفس السويسري "كارل يونغ" أنها تحمل رسائل رمزية من الأعماق، تهدف إلى تحقيق توازنٍ نفسي داخلي. لكن، بعيدًا عن التفسيرات التحليلية، فإن العلم الحديث يربط الأحلام بالنشاط الدماغي في مرحلة النوم المعروفة بـ "حركة العين السريعة" (REM)، حيث ينشط الدماغ بدرجة عالية، بينما يبقى الجسد ساكنًا في حالة شللٍ مؤقت، وهي المرحلة التي تحدث فيها غالبية الأحلام.أما لماذا ننسى الأحلام أو نتذكّرها، فيرجع ذلك إلى توقيت الاستيقاظ؛ فإذا استيقظ الإنسان أثناء هذه المرحلة، تزداد فرصة تذكّر الحلم. أما إذا استيقظ بعد انتهائها، أو في مرحلة نومٍ أعمق، فإن تفاصيل الحلم غالبًا ما تتلاشى. كما أن الدماغ أثناء النوم لا يخزّن الذكريات بنفس الكفاءة التي يفعلها أثناء اليقظة، مما يجعل تذكّر الحلم بعد الاستيقاظ مهمة غير مضمونة. أما ظاهرة استكمال الحلم بعد الاستيقاظ، ثم العودة للنوم، فتدل على قدرة الدماغ على حفظ المشهد مؤقتًا في الذاكرة القصيرة، وعند العودة للنوم بسرعة، يمكن للعقل أن يستأنف الحلم، وكأن شيئًا لم يحدث.ورغم كل المحاولات لفهم الأحلام، تظل كثير من تفاصيلها محاطة بالغموض؛ فقد تكون بعض الأحلام عبثية، دون منطق أو معنى واضح، في حين تحمل أخرى مشاعر كثيفة، ورسائل خفية، تدفع الإنسان للتفكير والتأمل.فهل الحلم مجرد تفريغ نفسي؟ أم أنه يحمل دلالة أعمق، ربما لا نملك أدواتٍ كافية لفهمها حتى الآن؟الأحلام تفتح لنا نافذة على عالمٍ داخلي لا يخضع لقوانين الزمان والمكان، عالمٍ لا نتحكّم فيه، لكنه يعكسنا في كثير من الأحيان، ويمنحنا إشارات قد لا نفهمها، لكنها تظلّ تطرق أبواب وعينا كلّ ليلة. ففي تلك اللحظات التي نغيب فيها عن العالم، ونغرق في نومنا، يبدأ العقل في نسج مسرحيّاته الخاصة؛ فنعيش أحداثًا لا نعرف كيف بدأت، ولا نعلم لماذا انتهت كما انتهت، ثم نصحو ونحن نحمل شيئًا من الحيرة، وشيئًا من الدهشة، وربما شيئًا من الحقيقة.ابو لبن يكتب: الأحلام.. مشاهد عابرة أم رسائل خفية؟
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
ابو لبن يكتب: الأحلام.. مشاهد عابرة أم رسائل خفية؟
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ