أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الضروس يكتب: الطائرات المسيّرة (دون طيار): حينما يسبق التطورُ التكنولوجي قدرةَ القانون على المواجهة


المحامي موسى جودت الضروس

الضروس يكتب: الطائرات المسيّرة (دون طيار): حينما يسبق التطورُ التكنولوجي قدرةَ القانون على المواجهة

مدار الساعة ـ

فرض التطور التكنولوجي المتسارع في العصر الحديث واقعاً جديداً امتد أثره إلى مختلف جوانب الحياة، الأمر الذي أدى إلى ظهور العديد من الوسائل التقنية الحديثة التي أحدثت تحولاً كبيراً في المجالات المدنية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، ولعل من أبرز هذه الوسائل الطائرات المسيّرة (دون طيار)، التي شهدت انتشاراً واسعاً خلال السنوات الأخيرة نتيجة ما تتمتع به من قدرات تقنية متطورة واستخدامات متعددة، تلك الوسيلة التي أُشير إليها بالبنان خلال العقد الأخير، والتي لم تعد مجرد وسيلة تقنية حديثة أو أداة لتحقيق هدف معين، بل أصبحت أداة متعددة الاستخدامات دخلت في المجالات المدنية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والإعلامية.

وتتميّز الطائرات المسيّرة بكونها طائرات ذاتية التحكم تعمل من خلال أنظمة وبرامج إلكترونية مُعدة مسبقاً، حيث تُوجَّه وتُدار وفق أوامر تقنية محددة دون الحاجة إلى وجود طيار داخلها، الأمر الذي منحها قدرة كبيرة على تنفيذ المهام بدقة وسرعة في مختلف المجالات.

وقد أدى ذلك إلى جعلها جزءاً من الواقع المعاصر والحياة اليومية بصورة يصعب تجاهلها، إذ أسهمت في تسهيل العديد من المهام التي كانت تتطلب وقتاً وجهداً وتكاليف باهظة، كالاستطلاع والتصوير الجوي ونقل البضائع ومراقبة الكوارث والحدود، مما يعكس حجم الثورة التكنولوجية التي أحدثتها في العصر الحديث.

ولما كانت الطائرات المسيّرة أداة أسهمت في تسهيل العديد من العمليات التجارية والاقتصادية والخدمية، فإنها ـ رغم ما تتمتع به من مزايا وفوائد عديدة أفرزت بالمقابل جملة من الإشكاليات القانونية والأمنية والاجتماعية، الأمر الذي أدى بصورة غير مباشرة إلى تحويلها من وسيلة تقنية حديثة إلى أداة قد تُستغل في أغراض غير مشروعة، حيث أضحت في بعض الأحيان وسيلة للتجسس وانتهاك الخصوصية وارتكاب الجرائم المنظمة، فضلاً عن استخدامها في النزاعات المسلحة والعمليات الإرهابية والهجمات التي تستهدف أمن الدول واستقرار المجتمعات، الأمر الذي أثار مخاوف قانونية وأمنية متزايدة بشأن خطورة الاستخدام غير المنظم لهذه الطائرات.

ورغم ما تحققه الطائرات المسيّرة من فوائد كبيرة، إلا أن اتساع نطاق استخدامها بصورة متسارعة أوجد العديد من الإشكاليات القانونية والأمنية التي باتت تثير قلق الأنظمة التشريعية، خصوصاً في ظل غياب تنظيم قانوني متكامل يواكب التطور التقني المتلاحق والمتسارع، فهذه الطائرات قد تتحول في أي وقت من وسيلة لخدمة الإنسان إلى أداة تهدد الأمن العام وتمس الخصوصية الفردية وتنتهك حرمة المجال الجوي للدول، فضلاً عن إمكانية استغلالها في أعمال التجسس والتهريب والجرائم الإلكترونية وحتى العمليات الإرهابية، الأمر الذي كشف عن وجود فجوة حقيقية بين التطور التكنولوجي وقدرة التشريعات التقليدية على ضبطه، وهو ما يستوجب ــ في تقديري ــ مواجهة هذا النوع من الجرائم بسياسة جنائية أكثر تشدداً، من خلال اعتبار استخدام الطائرات المسيّرة في ارتكاب بعض الجرائم ظرفاً مشدداً، نظراً لما تتميز به هذه الوسيلة الحديثة من سهولة في الاستخدام، وصعوبة في التتبع والكشف، وما قد يترتب على استخدامها من مخاطر تمس الأمن العام واستقرار المجتمع.

ويزداد الأمر تعقيداً في ظل أن المشرّع غالباً لا يُسلّط الضوء على الأداة المستخدمة في ارتكاب الجريمة بقدر تركيزه على الفعل الجرمي ونتيجته، إلا أن الأمر يختلف عندما تكون الوسيلة ذات طبيعة إلكترونية وتقنية حديثة كالطائرات المسيّرة، الأمر الذي يقتضي تدخل المشرّع لإيجاد نصوص قانونية حديثة تُنظّم استخدام هذه الوسائل وتُحدد المسؤولية الجزائية الناشئة عنها، خاصة في ظل سهولة استخدامها وتعدد صور استغلالها في ارتكاب الجرائم.

وأخيرا وفي نهاية مقالي هذا أرى ضرورة تدخل المشرع لوضع نصوص قانونية خاصة تُعالج الجرائم المرتكبة بواسطة الطائرات المسيّرة، وذلك من خلال اعتبار استخدامها في ارتكاب بعض الجرائم ظرفاً مشدداً لما تنطوي عليه من خطورة وسهولة في التنفيذ وصعوبة في التتبع والكشف. كما تبرز الحاجة إلى إلزام الجهات المستخدمة لهذه الطائرات بتزويدها بما يُعرف بـ«الصندوق الأسود» أو أنظمة التتبع والتسجيل الإلكتروني، بما يُمكّن الجهات المختصة من الرجوع إلى البيانات والمعلومات التقنية الخاصة بالطائرة عند وقوع الجريمة، الأمر الذي يسهم في تحديد الشخص المسؤول جزائياً عن الأفعال المرتكبة بواسطتها، ويحد من الإشكاليات القانونية المرتبطة بإثبات المسؤولية الجنائية في ظل الطبيعة التقنية الحديثة لهذه الوسيلة.

مدار الساعة ـ