أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

المساعدة يكتب: من يعبث برموز الوطن ولغة الضاد؟


جهاد المساعدة

المساعدة يكتب: من يعبث برموز الوطن ولغة الضاد؟

مدار الساعة ـ

في السنوات الأخيرة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مساعدة، بل تحوّل إلى شريك في صناعة الصورة والكلمة والرأي العام. وبات كثيرون يستخدمونه في كتابة المقالات، وتصميم الشعارات، وإنتاج الفيديوهات، حتى بدا المشهد أحيانًا وكأن الإنسان سلّم جزءًا من وعيه الوطني إلى آلة لا تعرف شيئًا عن معنى الوطن، ولا عن روح اللغة.

وقد ظهر ذلك بوضوح في بعض المواد المرتبطة بالاحتفالات الوطنية، حين جرى استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم شعارات وفيديوهات تضمّنت أخطاء صادمة في رموز الدولة؛ فالنجمة السباعية في العلم الأردني تحوّلت إلى خماسية أو سداسية، وصور بعض رجالات الوطن أُعيد تشكيلها بملامح غريبة ومشوّهة، وكأن الذاكرة الوطنية أصبحت ملفًا قابلًا للتعديل العشوائي.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي:

من يتحمّل الخطأ؟

هل الذكاء الاصطناعي أم الإنسان الذي استخدمه؟

والحقيقة أن تحميل الذكاء الاصطناعي المسؤولية الكاملة يشبه اتهام القلم بخطأ الكاتب. فالآلة لا تعرف أن النجمة السباعية ليست شكلًا هندسيًا عاديًا، بل رمز سياسي وتاريخي ارتبط بهوية الدولة الأردنية ورسالتها، ولا تفهم أن صور القادة ورجالات الوطن ليست مواد بصرية قابلة للعبث، بل جزء من الذاكرة الوطنية التي يجب أن تُصان باحترام ومسؤولية.

فالآلة تُنتج ما يُطلب منها، أما الإنسان فهو الذي يُفترض أن يمتلك المعرفة التي تمنع الخطأ. ولهذا، فإن المسؤولية الحقيقية تقع على المستخدم قبل الأداة، وعلى من ضغط زر النشر دون مراجعة، وعلى من تعامل مع رموز الوطن بعيدًا عن عقلية المعرفة والمسؤولية.

لكن الأزمة لم تعد بصرية فقط، بل لغوية أيضًا.

فكما أخطأ بعض مستخدمي الذكاء الاصطناعي في فهم رموز الدولة، أخطأ كثيرون في اللغة ذاتها. وباتت مواقع التواصل وبعض المقالات تمتلئ بنصوص تبدو في ظاهرها قوية وفخمة، لكنها في حقيقتها مليئة بالتراكيب العشوائية، والأخطاء الدلالية، والجمل التي تشبه العربية شكلًا لا روحًا.

والمؤلم أن بعض من يستخدمون الذكاء الاصطناعي في الكتابة لا يملكون أصلًا معرفة حقيقية باللغة، فلا يستطيعون تمييز الخطأ من الصواب، ولا المعنى العميق من العبارة المصطنعة. ولهذا أصبحت صياغة الذكاء الاصطناعي مكشوفة لكل من يملك ذائقة لغوية حقيقية؛ تكرار في التراكيب، ومبالغات بلا روح، وجمل طويلة تبدو متينة لكنها ضعيفة الدلالة.

حتى إن بعض النصوص باتت تستخدم كلمات في غير معناها، أو تُنتج تعبيرات لا تقول شيئًا مهما بدا شكلها أنيقًا. فاللغة ليست تجميع كلمات، بل إحساس بالمعنى، ومعرفة بالسياق، ووعي بتاريخ المفردة وظلالها النفسية والثقافية.

إن المشكلة ليست في أن نستفيد من التكنولوجيا، بل في أن نستبدل بها المعرفة. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الكاتب، لكنه لا يستطيع أن يمنح الإنسان موهبة لم يمتلكها، ولا ثقافة لم يقرأها، ولا وعيًا وطنيًا لم يتعلّمه.

ولهذا، فإن المرحلة القادمة لن تكون معركة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بل بين المعرفة الحقيقية والاستسهال، بين من يستخدم التقنية بوعي وثقافة، ومن يختبئ خلفها ليُخفي ضعفه اللغوي والمعرفي.

فالمواطنة ليست شعارًا يُصمَّم، ولا فيديو يُنتَج، ولا كلمات تُنسخ وتُلصق، بل وعي بمعنى الوطن، واحترام لرموزه، وإدراك لقيمة لغته وتاريخه وهويته. فالأوطان لا تحمي حدودها بالجيوش فقط، بل أيضًا بحماية رموزها من العبث، ولغتها ووعيها من التشويه.

وأخطر ما قد يفعله الذكاء الاصطناعي ليس أن يكتب بدل الإنسان، بل أن يُقنع الجاهل بأنه أصبح مثقفًا.

مدار الساعة ـ