أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الشرعة يكتب: الأردن الذي لم ينكسر.. ثمانون عاماً من التحدي الهاشمي وصناعة الدولة وسط حرائق الشرق الأوسط


م.صهيب عبدالله الشرعة

الشرعة يكتب: الأردن الذي لم ينكسر.. ثمانون عاماً من التحدي الهاشمي وصناعة الدولة وسط حرائق الشرق الأوسط

مدار الساعة ـ

الاستقلال الثمانون للمملكة الأردنية الهاشمية

ثمانون عاماً من المعادلات السياسية الصعبة بين الثقة والكرامة والأمل

لم يكن استقلال المملكة الأردنية الهاشمية عام 1946 حدثاً سياسياً عابراً في تاريخ المنطقة، بل كان بداية مشروع دولة عربية حديثة تأسست على الشرعية الهاشمية، والهوية الوطنية، والإرادة الحرة. وعلى امتداد ثمانين عاماً، خاض الأردن معارك البقاء والاستقرار وسط إقليم مضطرب، واستطاع أن يصنع نموذجاً سياسياً قائماً على الحكمة والاعتدال والقدرة على التوازن.

وفي الذكرى الثمانين للاستقلال، يقف الأردن أمام العالم بوصفه دولة نجحت في اجتياز أخطر المعادلات السياسية في الشرق الأوسط؛ فبين الحروب الإقليمية، والأزمات الاقتصادية، وضغوط الجغرافيا السياسية، ظل الأردن محافظاً على ثوابته الوطنية، وعلى دوره العربي والإنساني.

إن الحديث عن الاستقلال الأردني ليس حديثاً عن تحرير الأرض فقط، بل عن بناء دولة استطاعت أن تحافظ على كرامة الإنسان، وأن تبني مؤسساتها، وأن تصنع الأمل رغم محدودية الموارد وقسوة التحديات.

الملك المؤسس عبدالله الأول: معادلة بناء الدولة وسط الفوضى الإقليمية

تسلّم الملك المؤسس عبدالله الأول قيادة الأردن في مرحلة كانت المنطقة العربية تعيش حالة من الانقسام والتفكك بعد سقوط الدولة العثمانية وهيمنة الانتداب البريطاني. وكانت المعادلة السياسية آنذاك شديدة التعقيد: كيف يمكن تأسيس دولة مستقلة بموارد محدودة وفي بيئة إقليمية غير مستقرة؟

استطاع الملك المؤسس أن ينجح في هذه المعادلة عبر ثلاثة عناصر رئيسية:

* بناء مؤسسات الدولة الدستورية.

* تأسيس الجيش العربي الأردني.

* ترسيخ الهوية الوطنية الجامعة.

لقد أدرك عبدالله الأول أن قوة الدول لا تُقاس بمساحتها الجغرافية، بل بقدرتها على بناء المؤسسات وكسب ثقة الشعب. ولذلك وضع أسس الدولة الأردنية الحديثة على قاعدة الشرعية السياسية والاعتدال والانتماء العربي.

وكانت أولى المعادلات السياسية التي نجح الأردن في تجاوزها هي معادلة “الاستقلال مع الاستقرار”، وهي معادلة فشلت فيها دول عديدة في المنطقة خلال تلك المرحلة.

الحسين بن طلال: معادلة البقاء في منطقة مشتعلة

حين تولى الملك الحسين بن طلال سلطاته الدستورية، دخل الأردن واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخه الحديث. فقد واجهت المملكة حروباً إقليمية، وأزمات اقتصادية، وصراعات سياسية داخلية وخارجية، وكان على الحسين أن يدير معادلة شديدة الصعوبة: كيف يحافظ الأردن على استقراره دون أن يفقد هويته أو قراره السياسي؟

نجح الحسين في بناء فلسفة سياسية قائمة على التوازن، فحافظ على علاقات عربية ودولية متوازنة، وفي الوقت نفسه عمل على تعزيز الجبهة الداخلية وتطوير مؤسسات الدولة.

ومن أبرز إنجازاته:

* توسيع التعليم ليصبح الأردن من أكثر الدول العربية تقدماً في هذا القطاع.

* بناء بنية تحتية حديثة رغم ضعف الإمكانيات.

* الحفاظ على وحدة الدولة خلال أزمات المنطقة.

* تعزيز صورة الأردن كدولة اعتدال وسلام.

لكن الإنجاز الأهم للحسين كان نجاحه في معادلة “الأمن مقابل الحرية”، حيث استطاع أن يحافظ على استقرار الدولة دون انهيار مؤسساتها السياسية والاجتماعية، وهو ما جعل الأردن مختلفاً عن كثير من دول المنطقة التي دخلت في دوامات الفوضى والانقسامات.

لقد كان الحسين يؤمن بأن الدولة لا تبنى بالقوة فقط، بل بثقة الناس بها، ولذلك بقي قريباً من الأردنيين في مختلف الظروف، حتى أصبح رمزاً وطنياً ارتبط في الوعي الشعبي بالصمود والإنسانية والكرامة.

الملك عبدالله الثاني: معادلة التحديث وسط الأزمات

مع بداية عهد الملك عبدالله الثاني عام 1999، دخل العالم مرحلة جديدة عنوانها العولمة والاقتصاد الرقمي والثورات التكنولوجية، بينما كانت المنطقة العربية تتجه نحو اضطرابات سياسية وأمنية متسارعة.

واجه الأردن خلال العقود الأخيرة تحديات استثنائية، أبرزها:

* تدفقات اللجوء الناتجة عن أزمات المنطقة.

* ارتفاع معدلات البطالة والفقر.

* الأزمات الاقتصادية العالمية.

* الإرهاب والتطرف.

* الضغوط السياسية الإقليمية.

ورغم ذلك، استطاع الملك عبدالله الثاني أن يقود الأردن نحو مشروع تحديث شامل، قائم على تطوير الاقتصاد والتعليم والإدارة والتكنولوجيا.

لقد أدرك الملك أن معركة الدول الحديثة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة تنمية ومعرفة وابتكار، ولذلك ركّز على:

* التحول الرقمي.

* تحديث الإدارة العامة.

* دعم الشباب وريادة الأعمال.

* تطوير التعليم الإلكتروني والتقني.

* تعزيز مشاركة المرأة والشباب.

وكانت أصعب المعادلات السياسية التي واجهها الأردن في عهد الملك عبدالله الثاني هي معادلة “الاستقرار وسط الفوضى الإقليمية”، وهي معادلة نجح الأردن في إدارتها بحكمة، حتى بقي من أكثر الدول استقراراً في الشرق الأوسط رغم كل ما حدث حوله.

كما حافظ الأردن على موقفه الثابت تجاه القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مع الاستمرار في أداء دوره الإنساني والدبلوماسي باعتباره صوتاً للاعتدال والحوار.

ولي العهد الأمير الحسين: معادلة المستقبل والشباب

يمثل سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني صورة الجيل الأردني الجديد الذي يحمل طموحات المستقبل، ويؤمن بأن قوة الدولة تبدأ من تمكين الشباب.

وقد ركّزت مبادرات ولي العهد على:

* تمكين الشباب اقتصادياً.

* دعم الابتكار وريادة الأعمال.

* تطوير المهارات الرقمية والتقنية.

* تعزيز المشاركة المجتمعية.

* دعم المشاريع التنموية في المحافظات.

ويعكس حضور ولي العهد قناعة الدولة الأردنية بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى جيل قادر على التعامل مع المتغيرات العالمية الجديدة، وخاصة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

الاستقلال الأردني: ثمانون عاماً من التوازن السياسي

ما يميز التجربة الأردنية خلال ثمانية عقود هو قدرة الدولة على إدارة التوازنات الصعبة دون الانزلاق إلى الفوضى أو التطرف. فقد نجح الأردن في إدارة معادلات سياسية معقدة، أبرزها:

* التوازن بين الهوية الوطنية والانتماء العربي.

* التوازن بين الأمن والاستقرار السياسي.

* التوازن بين الحداثة والحفاظ على القيم الوطنية.

* التوازن بين العلاقات الدولية والثوابت القومية.

* التوازن بين محدودية الموارد وطموحات التنمية.

ولهذا أصبح الأردن نموذجاً في “إدارة الأزمات”، حيث استطاع أن يحافظ على مؤسسات الدولة وثقة المواطنين رغم الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة.

الثقة والأمل: جوهر التجربة الأردنية

إن سر قوة الأردن لم يكن في موارده الطبيعية، بل في قوة العلاقة بين القيادة والشعب، وفي الإيمان العميق بأن الوطن أكبر من الأزمات.

لقد استطاع الأردنيون، بقيادتهم الهاشمية، تحويل التحديات إلى فرص، والمحافظة على وحدة الدولة في أصعب الظروف، لأن المشروع الأردني قام منذ البداية على فكرة الإنسان؛ على الكرامة والتعليم والاعتدال والولاء للوطن.

واليوم، في عيد الاستقلال الثمانين، يبدو الأردن وكأنه يكتب فصلاً جديداً من تاريخه، عنوانه: “الثقة بالمستقبل رغم كل التحديات”.

ثمانون عاماً من الاستقلال ليست مجرد رقم في ذاكرة الوطن، بل قصة دولة استطاعت أن تنجو من العواصف، وأن تبني نموذجاً سياسياً قائماً على الحكمة والاتزان والاستقرار.

من الملك المؤسس عبدالله الأول، إلى الحسين الباني، إلى الملك عبدالله الثاني، وصولاً إلى ولي العهد الأمير الحسين، ظل الأردن دولة تؤمن بأن قوة الأوطان لا تُبنى بالصراعات، بل ببناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات، والحفاظ على الثقة الوطنية.

ولهذا بقي الأردن، رغم كل التحديات، وطناً يصنع الأمل، ويحمل رسالة الاعتدال، ويواصل السير بثقة نحو المستقبل.

مدار الساعة ـ