في كل عام، ومع حلول ذكرى النكبة في الخامس عشر من أيار، يتجدد السؤال الذي حاول العالم التهرب منه لعقود طويلة: هل تستطيع القوة أن تصنع حقا؟! وهل يتحول الاحتلال إلى حقيقة مشروعة فقط لأنه يمتلك فائض السلاح والدعم والنفوذ؟!
منذ قرابة ثمانين عاما، يحاول الاحتلال الصهيوني فرض معادلة تقوم على إخضاع الحق الفلسطيني لمنطق القوة، عبر الفتك والأسر والتهجير والقتل والاستيطان والحصار وتشويه الوعي الجمعي، وخنق الفضاء العام، مستندا إلى تفوق عسكري وسياسي هائل. لكن التاريخ، رغم قسوته، لم يمنح يوما الشرعية للغزاة، بل منحها للشعوب التي بقيت متمسكة بأرضها وذاكرتها وحقها الطبيعي في الحرية.لقد اقترب الفيلسوف الألماني نيتشه من توصيف جانب من حركة التاريخ حين تحدث عن “إرادة القوة”، بوصفها المحرك الذي يدفع الأمم والجماعات إلى فرض رؤيتها وهيمنتها. غير أن التجربة الإنسانية أثبتت أن القوة قادرة على صناعة الوقائع المؤقتة، لكنها عاجزة عن صناعة الشرعية. فالاحتلال، مهما امتلك من أدوات البطش، يبقى احتلالًا، والضحية تبقى صاحبة الحق مهما تعرضت للقهر والقتل والإبادة والتشريد.إن ما يعيشه الفلسطيني منذ ما قبل العام سنة النكبة هو مواجهة مفتوحة وصراع بين حق جذري تاريخي وجغرافي ومعرفي راسخ ومشروع استعماري احتلالي يسعى إلى اقتلاع الإنسان من أرضه وروايته ووجوده. ورغم المجازر والحروب وسياسات القمع والحصار، ما زال الفلسطيني يقف على أرضه بصفته المقاوم وصاحب الأرض، لا بوصفه حالة إنسانية تنتظر الشفقة الدولية.هذا الصمود الفسطيني ليس خروجا على حركة التاريخ؛ فكل احتلال ظن أن تفوقه العسكري أبدي انتهى إلى الزوال. الاستعمار الفرنسي غادر الجزائر بعد عقود من الدم، والبريطانيون خرجوا من الهند رغم إمبراطوريتهم، وكذلك سقط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا رغم سطوته الأمنية والسياسية. وفي كل تلك التجارب، انتصرت إرادة الشعوب لا لأنها كانت الأقوى عسكريا، بل لأنها كانت صاحبة الإرادة في الدفاع عن الحق.إن هيمنة الاحتلال قد تؤخر العدالة، لكنها لا تلغيها. وقد تمنح المحتل قدرة على السيطرة، لكنها لا تمنحه شرعية أخلاقية أو تاريخية. ولذلك بقيت فلسطين، بعد عقود النكبة الطويلة، القضية الأكثر قدرة على فضح التناقض العالمي بين شعارات الحرية وواقع الدعم الممنوح بلا حدود للاحتلال البغيض.الحق الفلسطيني حقيقة تاريخية وسياسية وإنسانية، وحين يقف العالم عاجزا عن حمايته أو متواطئا ضده، فإن ذلك لا ينتقص من شرعيته، بل يكشف أزمة النظام الدولي ذاته وعجزه أمام منطق القوة وهيمنة الاحتلال. وكل احتلال إلى زوال طال الزمان أم قصر.القيسي يكتب: الحق الفلسطيني وهيمنة الاحتلال
مدار الساعة ـ