مدار الساعة - كتب محرر الشؤون الرياضية - حين تدخل الأندية الوطنية مرحلة الأزمات، يصبح من الضروري أن نفرّق بين من يبحث عن حل، ومن يبحث عن دور. فليس كل من رفع صوته حريصًا، وليس كل من تحدّث باسم الجماهير يحمل بالضرورة مصلحة النادي بقدر ما يحمل مصلحته الخاصة أو قراءته الخاصة للمشهد.
الأندية، وفق القانون، هيئات أهلية مستقلة، تقوم على الهيئة العامة بوصفها المرجعية الأساسية وصاحبة القرار. وهذه الهيئة لا تملك فقط حق الانتخاب وإبداء الرأي، بل تتحمل أيضًا مسؤولية أخلاقية ومالية تجاه النادي، من خلال تسديد الاشتراكات والالتزامات والمساهمة في حماية المؤسسة واستقرارها.أما دور وزارة الشباب، فهو دور رقابي وإشرافي تحكمه الأنظمة، وليس دورًا يقوم على إدارة الأندية أو فرض الوصاية عليها.وفي حالة النادي الفيصلي، فإن ما جرى كان واضحًا من الناحية الإجرائية؛ إذ تقدمت الهيئة الإدارية المنتخبة باستقالتها، الأمر الذي فرض واقعًا إداريًا جديدًا لا بد من التعامل معه بما يحافظ على استقرار النادي والفريق معًا.وفي تلك المرحلة، كانت هناك مطالبات من أعضاء الهيئة العامة ومن جماهير النادي بعدم الذهاب إلى انتخابات خلال الموسم الرياضي، لأن الأولوية كانت الحفاظ على استقرار الفريق وعدم إدخاله في أجواء استقطاب أو تجاذب قد تنعكس على نتائجه، خصوصًا أن الفريق كان يقدم نتائج جيدة، وكانت المؤشرات تمنح الجماهير مساحة من التفاؤل والرضا.ولهذا، تم تشكيل لجنة إدارية مؤقتة ضمن الصلاحيات القانونية، وحددت مدة عملها حتى تاريخ 23-6-2026، بهدف إدارة المرحلة والمحافظة على استقرار النادي لحين الوصول إلى مرحلة إجراء انتخابات للهيئة الإدارية.لكن المشهد تغيّر بعد خسارة الفريق لبطولتي الدوري والكأس، وإعلان بعض أعضاء اللجنة المؤقتة رغبتهم بالاستقالة قبل انتهاء مدتها، وهنا بدأت الأزمة تأخذ منحى مختلفًا؛ إذ تحوّل النقد الرياضي الطبيعي إلى حالة أوسع من التجاذب، ودخلت على الخط أصوات كثيرة، بعضها يتحدث بدافع الحرص، وبعضها الآخر بدا وكأنه وجد في الأزمة فرصة لإعادة ترتيب النفوذ داخل النادي.كما أن هناك من يحاول زجّ وزارة الشباب في تفاصيل الأزمة بصورة تتجاوز طبيعة دورها الحقيقي، رغم أن دور الوزارة، وفق القانون، هو دور رقابي وإشرافي يهدف إلى الحفاظ على استقرار الأندية وضمان سلامة الإجراءات، لا إدارة الأندية أو التدخل في قراراتها الفنية والإدارية اليومية. إلا أن بعض الأطراف حاولت تحميل الوزارة مسؤولية كل ما جرى، وكأن المطلوب تحويلها إلى طرف في الصراع، بدل النظر إليها بوصفها جهة تنظيمية معنية بحماية استقرار المؤسسة الرياضية ضمن الأطر القانونية.المشكلة ليست في النقد، فالنقد جزء طبيعي من الحياة الرياضية، بل في الطريقة التي تُدار بها الأزمات أحيانًا، حين تتحول خسارة بطولة إلى بوابة للتشكيك بالمؤسسات، أو حين يصبح النادي ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وبناء الاصطفافات.فالفيصلي ليس ملكًا لأحد، ولا يجوز أن يتحول إلى مشروع نفوذ أو مساحة للتأثير على قراره ومقدراته تحت أي عنوان، حتى لو كان عنوان الدعم المالي أو الحرص على النادي.الدعم مهم، ولا أحد ينكر أهمية من يقفون مع الأندية في ظروفها المالية الصعبة، لكن الدعم شيء، ومحاولة التأثير على القرار أو خلق حالة تبعية داخل النادي شيء آخر مختلف تمامًا.وحين يصبح السؤال داخل النادي: من يملك التأثير؟ بدلًا من كيف نحمي المؤسسة؟، تبدأ الأزمة الحقيقية.كما أن الجماهير، وهي العنصر الأهم في أي نادٍ، لا يجوز أن تُستخدم كأداة ضغط أو وسيلة تعبئة في صراعات الأشخاص. فالجماهير تُحترم بتوعيتها، لا بإثارة انفعالاتها، والنادي يُحمى بالعقل، لا بدفع الناس نحو مزيد من التوتر والانقسام.كما أن بعض الإعلاميين أصبح يعزف على وتر العاطفة لدى الجماهير، ويخاطب الانفعال أكثر من مخاطبة الوعي، الأمر الذي أسهم في زيادة التوتر وتوسيع مساحة الاستقطاب، في وقت كان النادي أحوج ما يكون إلى خطاب هادئ ومسؤول يقدّم مصلحة الفيصلي على أي اعتبارات أخرى.والحقيقة التي يجب الاعتراف بها بهدوء أيضًا، أن بعض أعضاء الهيئة العامة لم يكونوا بحجم المسؤولية المطلوبة في هذه المرحلة؛ غابوا عن الدعم الحقيقي، وتأخروا في القيام بواجباتهم المالية والمعنوية، ثم تُرك المجال بعد ذلك لغير الأعضاء كي يتصدروا المشهد ويوجهوا المزاج العام للنادي.وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن تصل إليه الأندية الوطنية ليس خسارة بطولة أو تعثر موسم، بل أن تتحول أزماتها إلى فرصة للبعض كي يعيد تشكيل القرار داخلها، أو يحاول امتلاك نفوذ دائم فيها، أو يتعامل مع مؤسساتها ومقدراتها وكأنها مساحة قابلة للتأثير والاستحواذ.ويبقى السؤال الذي يستحق التفكير فعلًا:هل المطلوب حماية الفيصلي بوصفه هيئة أهلية مستقلة وناديًا وطنيًا، أم أن الأزمة أصبحت عند البعض فرصة لإعادة رسم موازين النفوذ داخل النادي؟فالأندية الوطنية تُبنى بالعقل والمسؤولية، لا بتغليب المصالح، وتحميها الحكمة أكثر مما تحميها الانفعالات.الفيصلي… أزمة نادٍ أم صراع نفوذ ومصالح؟
مدار الساعة ـ











