أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الشوابكة يكتب: هندسة البقاء.. كيف تحوّل الاستقلال الأردني من جغرافيا الندرة إلى عقيدة الشوكة؟


محمد ضيف الله الشوابكة
الناطق الإعلامي لبلدية سحاب

الشوابكة يكتب: هندسة البقاء.. كيف تحوّل الاستقلال الأردني من جغرافيا الندرة إلى عقيدة الشوكة؟

محمد ضيف الله الشوابكة
محمد ضيف الله الشوابكة
الناطق الإعلامي لبلدية سحاب
مدار الساعة ـ

في الفلسفة السياسية الحديثة، يُنظر إلى الاستقلال غالباً كحدث تذكاري جامد، وثيقة تُودع في أرشيفات التاريخ ليُعاد قراءتها في المناسبات بروح احتفالية بروتوكولية. غير أن مقاربة التجربة الأردنية تفرض علينا تجاوز هذه السطحية المعرفية، والانتقال نحو تفكيك "الكينونة الأردنية" باعتبارها صيرورة اشتباك مستمر، وصدمة وعي تولد في جغرافيا سياسية لم تمنحها الطبيعة ترف الوفرة، بل فرضت عليها حتمية الصراع من أجل البقاء والمحافظة على الهوية وسط أمواج عاتية من التحولات الجيوسياسية الإقليمية.

حين قال الشاعر سعيد عقل:

"في حجمِ بَعضِ الوردِ إلّا إنّهُ.. لكَ شوكةٌ ردّتْ إلى الشرقِ الصِّبا"

لم يكن يصوغ غزلًا عاطفياً مادحاً، بل كان يضع يده بعبقرية مجازية على "المفارقة الأردنية الكبرى". هذا البيت يمثل تفكيكاً فلسفياً لجدلية المساحة والأثر؛ فالوردة التي ترمز في الأدبيات الإنسانية للرقة والندرة، تحولت في الحالة الأردنية إلى كيان يمتلك "شوكة" السيادة والردع. إنها الشوكة التي لم تنكفئ على ذاتها، بل امتد أثرها الاستراتيجي ليعيد صياغة توازنات المشرق العربي بأكمله، ويعيد ضخ الحيوية والعروبة في عروق "الشرق" حين تآكلت شرعيات دول كبرى من حوله.

هذه الشوكة لم تكن لتنبت لولا "هندسة التأسيس الفائقة" التي قادها الملك المؤسس عبد الله الأول، والذي واجه معادلة استعمارية معقدة حاولت حصر الأردن في زاوية الهامش الجغرافي. بذكائه الدبلوماسي وحسه العروبي المتجاوز للمتاح، استطاع المؤسس أن ينزع الاعتراف بالسيادة الأردنية ككيان عصي على الذوبان، واضعاً عقيدة سياسية تقوم على أن شح الموارد يُهزم بوفرة الإرادة.

هذه الرؤية التأسيسية تَمّ مأسستها وتحويلها إلى درع مؤسسي صلب في عهد الملك الباني الحسين بن طلال -طيب الله ثراه-، الذي أدرك أن كرامة الدولة ترتبط بقرارها العسكري، فكان قرار تعريب قيادة الجيش العربي عام 1956 بمثابة إعلان التحرر المعرفي والسيادي الأكمل، لتتحول الدولة في عهده إلى "رقم استراتيجي صعب" لا يمكن تجاوزه أو إسقاطه من معادلات الإقليم الشائكة.

وعلى ذات النسق المعرفي الذي يربط الفعل السياسي بالالتزام الأخلاقي، يسترسل الوعي الشعري ليقول:

"ضُرِبَتْ على الدنيا البطولةُ مُشتهى.. وعليكَ دَيْناً لا يُخانُ ومَذهبا"

وهنا ننتقل من فكرة الردع والدفاع (الشوكة) إلى فكرة "الأنطولوجيا الأخلاقية" للدولة. البطولة في الأردن ليست رد فعل طارئ أو استعراضاً عابراً، بل هي "دَين ومذهب"؛ عقيدة راسخة وبنية اجتماعية وفكرية لا تقبل المساومة أو الخيانة. إنها الالتزام التاريخي الذي جعل من الدم الأردني الإسمنت الحقيقي الذي يربط عمان بالقدس، واللطرون بباب الواد.

هذا "المذهب الذي لا يُخان" هو الذي يفسر الصلابة الهاشمية الحاسمة التي يقود بها جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين الدولة الأردنية اليوم وسط مناخ من "السيولة السياسية الدولية". إن الموقف الملكي الحازم تجاه الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والرفض القاطع لكل مشاريع التصفية أو الأوطان البديلة، لا ينطلق من حسابات الربح والخسارة السياسية الضيقة، بل ينطلق من هذه العقيدة الوجودية بالذات؛ العقيدة التي ترى في حماية الحق العربي أمانة تاريخية ودَيْناً أخلاقياً لا يمكن التنازل عنه مهما بلغت الضغوطات الاقتصادية أو الجيوسياسية. لقد أثبت الملك المعزز أن الاستقلال الحقيقي يتجلى في القدرة على قول "لا" حاسمة في وجه المشاريع العظمى حين تصطدم هذه المشاريع بكرامة الوطن وثوابت الأمة.

إن ديمومة هذا الاستقلال وعنفوانه الفكري يتطلبان بالضرورة تجدداً في أدوات المواجهة وصناعة المستقبل، وهو الأفق الذي يتشكل اليوم بوضوح في تطلعات وثقافة سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني. يمثل سموه الانتقال الاستراتيجي من مرحلة "حماية المكتسبات" إلى مرحلة "التمكين المعرفي والرقمي". إن رؤية ولي العهد تنطلق من فهم عميق لمتطلبات القرن الحادي والعشرين؛ حيث لم يعد الاستقلال يقتصر على غياب المحتل الأجنبي، بل بات يُقاس بالسيادة المعرفية، والتفوق التكنولوجي، والاعتماد المطلق على الذات من خلال تمكين الشباب وتوجيه طاقاتهم لصناعة فضاء اقتصادي وفكري أردني خالص.

إن الأردن، وهو يستقبل فصلاً جديداً من فصول استقلاله، يثبت للعالم مجدداً أنه أرض العزم التي لا تلين. الاستقلال ليس مجرد ذكرى نبكي على أطلالها أو نتغنى بأمجادها، بل هو عقد وفاء واشتباك فكري ويومي يوقعه الأردنيون بوعيهم وعملهم; لتبقى هذه الوردة محتفظة بعطرها الإنساني، ومحصنة بشوكتها السيادية، ومخلصة لمذهبها البطولي الذي لا يخان.

مدار الساعة ـ