تُشكل مدينة مادبا، الرابضة بكبرياء فوق هضبة الأردن الوسطى، نموذجاً حياً وشاهداً استثنائياً على كيفية تحويل الإرث الثقافي والتاريخي إلى قوة تنموية واقتصادية دافعة. لم يكن بزوغ نجم مادبا كواجهة سياحية عالمية وليد الصدفة أو نتاج حركة عابرة، بل جاء ثمرةً مباشرة للاستقرار السياسي والمؤسسي الذي تنعم به المملكة الأردنية الهاشمية منذ عهد الاستقلال؛ إذ شكّل هذا الفضاء السيادي الحاضنة البيئية والتشريعية التي نضجت فيها تجربة المدينة الحضرية.
مع إرساء قواعد الدولة الحديثة بعد الاستقلال، انتقلت مادبا من مرحلة الحفاظ العفوي على الآثار إلى مرحلة "الهيكلة التنموية والسياحية الشاملة". إن أمن الدولة واستقرارها السياسي تُرجم عملياً على الأرض إلى بنية تحتية مستدامة، وتشريعات ناظمة، وبيئة استثمارية جاذبة أتاحت للمجتمع المحلي والشراكات الدولية تشييد قطاع ضيافة متكامل.هذا المناخ الآمن كان الضامن الأساسي لاستمرار عمل البعثات الأثرية الدولية والمحلية دون انقطاع، مما أسفر عن كشف وتوثيق كنز أثري وضع المدينة في صدارة خارطة التراث العالمي. وبذلك، تحولت السياحة في مادبا من نشاط موجّه عشوائياً إلى قطاع بنياوي مُنظم يسهم مباشرة في التنمية المحلية ويحمي الهوية البصرية للمدينة.بفضل الاستقرار الممتد عبر عقود الاستقلال، نجحت مادبا في صياغة معادلة تنموية متوازنة تجمع بين ثلاثة أبعاد سيادية؛ فمن خلال السياحة الدينية بوجود كنيسة القديس جاورجيوس (كنيسة الخارطة) ومحيطها الممتد إلى جبل نيبو وموقع المغطس، أصبحت المدينة محجاً عالمياً ومحطة رئيسية لحوار الثقافات والعيش المشترك. كما أن السياحة التراثية، عبر معهد مادبا لصناعة الفسيفساء وترميمها والمحترفات الحرفية، حولت المدينة إلى مختبر مفتوح يصون الذاكرة الإنسانية وينقل المعرفة عبر الأجيال. هذا فضلاً عن الاقتصاد المحلي المستدام الذي لم تبقَ فيه المواقع الأثرية معزولة عن محيطها، بل تدفقت عوائد الاستقرار لتنعكس على الأسواق التقليدية، والمطاعم السياحية، وصناعات التطريز والحرف اليدوية، مما خلق فرص عمل حقيقية وفعل دور التمكين الاقتصادي.لتعزيز التنافسية العالمية للمدينة، شهدت مادبا إطلاق حزمة من المشاريع الاستراتيجية التي تدمج التراث بالحياة اليومية:مشروع ممر مادبا السياحي (Madaba Trails): شبكة مسارات حيوية تربط المركز التاريخي للمدينة بالامتدادات الطبيعية والأثرية، بهدف إطالة مدة إقامة السائح وتوزيع المكتسبات التنموية.تطوير موقع أم الرصاص الأثري: تأهيل البنية التحتية للموقع المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو ليكون امتداداً جغرافياً وثقافياً لزوار وسط المدينة.معهد مادبا لصناعة الفسيفساء وترميمها: المشروع الريادي والأكاديمي الأول في الشرق الأوسط المعني بالحفاظ على تقنيات الفسيفساء كميزة تنافسية للمدينة.منظومة الضيافة وتحديث المتاحف: التوسعات المستمرة في متحف مادبا الأثري، وتطوير المنشآت الفندقية القادرة على استيعاب سياحة المؤتمرات والسياحة العلاجية في المناطق القريبة."إن قراءة المشهد الحضاري لمدينة مادبا اليوم تتجاوز تأطيرها في حدود الحجارة الصامتة أو لوحات الفسيفساء التي استبسل التاريخ في صونها، بل تضعنا مباشرة أمام 'الإنسان الأردني' باعتباره الحارس الحقيقي والصانع الفعلي لهذه الحضارة. ومن هنا، فإن الاستقرار السياسي والمؤسسي الذي أرسته الدولة الأردنية منذ الاستقلال لم يكن مجرد حالة أمنية، بل شكّل المناخ الحيوي الذي مكّننا من تحويل الإرث الثقافي من مزارات أثرية جامدة إلى تجربة إنسانية معاشة. في هذا الفضاء، تتشابك التنمية السياحية عضويًا مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع المحلي، لنتجاوز بذلك قوالب الأرقام الإحصائية الجافة نحو تكريس مفهوم 'سياحة القيمة'؛ تلك التي تعيد إنتاج الهوية الثقافية وسيميائية التطريز والفسيفساء كأدوات سيادية لتعزيز المواطنة الفاعلة.""من هذا المنطلق، غدت الاستدامة الحقيقية للمنجز السياحي في مادبا رهناً بمدى قدرتنا على إدماج طاقات المجتمع المحلي، وتوفير بيئات عمل كريمة، عادلة، وآمنة رقمياً واقتصادياً للحرفيين والمبدعات من بنات المدينة وشبابها. وبناءً على مقاربتنا الميدانية في مؤسسة 'مساواة' للتدريب وحقوق الإنسان، نؤمن بأن المشاريع الحديثة والمسارات التراثية المستحدثة ليست مجرد تطوير للبنية التحتية، بل هي استحقاق تنموي وحق أصيل تكفله الدولة للأجيال القادمة لترث اقتصاداً واعياً، مرناً، ومرتبطاً بجذورها. إن مسؤوليتنا الوطنية والمهنية اليوم تحتم علينا مأسسة هذا الوعي عبر برامج مستدامة لبناء القدرات والتدريب المستمر، لضمان أن يظل أبناء مادبا هم القادة الفعليين والسفراء الحقيقيين لإرثهم الحضاري أمام العالم."تثبت مادبا من جديد أن معالمها ومشاريعها الحديثة تشكل الجسد المادي للمدينة، بينما يمثل الوعي الحقوقي، التمكين المجتمعي، والاستقرار السياسي الممتد منذ الاستقلال الروح الحية التي تجعل منها نموذجاً عالمياً ملهماً؛ مدينة لا تكتفي ببيع التاريخ، بل تصنع ركائز المستقبل بكبرياء وطني خالص.حدادين تكتب: ظلال الاستقلال على لوحة المكان.. مادبا من عبقرية الفسيفساء إلى فلسفة التنمية المستدامة
الدكتورة هبه حدادين
حدادين تكتب: ظلال الاستقلال على لوحة المكان.. مادبا من عبقرية الفسيفساء إلى فلسفة التنمية المستدامة
مدار الساعة ـ