حالة الجدل التي رافقت تصريحات وزير الاتصال الحكومي، د.محمد المومني، في منتدى "تواصل" الأسبوع الماضي، أعتبرها حالة إيجابية لعدة أسباب.
السبب الأول أنها فتحت باباً واسعاً للنقاش حول: من هو المؤثر؟ ومتى تتم الاستعانة به؟ أما السبب الآخر، فيتعلق بأداء منصات التواصل الاجتماعي الحكومية، وطبيعة المحتوى الذي تنشره تلك المنصات.فالمؤثر هو "الشخص الذي يمتلك القدرة على التأثير في آراء الناس أو سلوكهم أو قراراتهم، سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو داخل المجتمع بشكل عام، نتيجة امتلاكه جمهوراً يتابعه ويثق بما يقدّمه." وعليه، فإن هذا التعريف يشمل الكتّاب والإعلاميين والصحفيين والمسؤولين السابقين والحاليين وصنّاع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي وغيرهم، ولا ينحصر في عدد من مشاهير المنصات الرقمية، كما ذهب البعض بعد تصريحات الوزير.كما أن التأثير لا يرتبط دائما بعدد المتابعين فقط، بل بمدى المصداقية والثقة والقدرة على إيصال الرسالة إلى الجمهور المستهدف. ولهذا، فمن الطبيعي أن يختلف الناس في تقييم بعض صناع المحتوى، أو في نوعية المحتوى الذي يقدّمونه، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أنهم باتوا جزءا من أدوات التأثير الحديثة.فعلى سبيل المثال لا الحصر، استعان البيت الأبيض ، خلال عامي 2022 و2023، بمؤثرين اقتصاديين وصنّاع محتوى مالي على "يوتيوب" و"تيك توك" لشرح أسباب التضخم وخطط خفض الأسعار وقرارات رفع أسعار الفائدة، وإعفاءات القروض الطلابية. وجاء ذلك لأن فئة واسعة من الشباب "لم تعد تعتمد على المؤتمرات الصحفية التقليدية للحصول على المعلومات، بل باتت تستقيها من المنصات الرقمية وصنّاع المحتوى الذين تتابعهم بشكل يومي."وسياسياً، نرى اليوم أن الإدارة الأمريكية الحالية، وخلال الحرب مع إيران، تستعين ببعض الكتّاب أو الإعلاميين لنفي الشائعات، أو تمرير معلومات تتعلق بمسار الحرب أو التفاوض، سواء عبر مقال صحفي لكاتب مشهور، أو برنامج ذي طبيعة جماهيرية واسعة، أو حتى من خلال منصات مؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، وغيرها من الأدوات الإعلامية الأخرى.أما فيما يتعلق بمنصات التواصل الاجتماعي الرسمية، وحتى بعض الصحف الورقية، فأعتقد أن الرسائل الحكومية انتقلت فعلاً إلى الفضاء الرقمي، لكنها ما تزال تحمل الطابع التقليدي ذاته في طريقة تقديمها. بل إن أسلوب الكتب والتعاميم الرسمية انتقل معها إلى المنصات الرقمية، وهو ما ينعكس على نسب التفاعل والمشاهدة.فلا يمكن مخاطبة الجيل الشاب عبر محتوى تقليدي يميل بالكامل إلى اللغة الرسمية الجامدة، سواء في النصوص أو الفيديوهات أو الصور. إذ لا بد من استخدام لغة رقمية مبسطة، وأسلوب مرن، ومحتوى سريع وواضح، دون التخلي عن المهنية والاتزان.ونرى اليوم أن العديد من الشخصيات السياسية والمؤسسات حول العالم، التي استطاعت تجاوز الأسلوب التقليدي في مخاطبة الجمهور، أصبحت أكثر حضورا وتأثيرا، ونجحت في الوصول إلى ملايين المتابعين. وهنا لا أدعو إلى الانزلاق نحو المحتوى الهابط، وإنما إلى تحقيق توازن بين الرسمية والمرونة، وبين هيبة الرسالة وبساطة تقديمها.وعليه، فإن المعادلة اليوم باتت واضحة: إذا أردت إيصال رسائلك إلى الجيل الشاب، الذي يشكل النسبة الأكبر من مستخدمي المنصات الرقمية، فلا بد أن تخاطبه بلغته وأدواته وأساليب تلقيه للمحتوى، لا باللغة التقليدية التي اعتادتها المؤسسات لعقود طويلة. لأن فراغ المعلومة في الفضاء الرقمي لا يبقى فارغا، فإن لم تفعل ذلك، فلن تستطيع إيصال رسائلك إلى الجمهور المستهدف، وستحل مكانها رسائل أخرى من جهات مختلفة، بعضها لا يحمل المعلومة الدقيقة، وبعضها قد لا يريد لك خيراً.السحيمات يكتب: من هو المؤثر؟ ولماذا لم تعد الرسائل التقليدية كافية؟
مدار الساعة ـ