أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

القاسم يكتب: إعادة حبس المدين.. صراخٌ في قاع البئر وصمتٌ عن منبع الأزمة


مجدي القاسم

القاسم يكتب: إعادة حبس المدين.. صراخٌ في قاع البئر وصمتٌ عن منبع الأزمة

مدار الساعة ـ

ضجّت المنابر، وتزاحمت الآراء، واشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بالحديث عن "إعادة حبس المدين" انقسم المجتمع بين مدافعٍ عن حق الدائن المستباح، وباكٍ على كرامة المدين المهددة بالسجن.

لكن المثير للدهشة هو هذا الصمت المطبق الذي يلف الاسباب الحقيقية التي أنجبت هذا التعثر.

لقد استهلكنا طاقاتنا في نقاش "العَرَض" وتركنا "المرض" ينهش في جسد الاقتصاد والمجتمع.

يتحدث الجميع عن الحبس كعقوبة، وصمتوا تماماً عن الحلول الغائبة للبطالة وتدني الرواتب التي دفعت الآلاف إلى طوابير الدائنين، إن التركيز على إعادة حبس المدين كحلٍ وحيد للأزمة الائتمانية هو بمثابة من يعالج نزيفاً حاداً بقطعة قطن صغيرة، الحبس ليس حلاً اقتصاديّاً، بل هو إعلان فشل في إيجاد بيئة مالية واجتماعية آمنة والسجن لا يخلق مالاً، والمحبوس خلف القضبان لن يستطيع العمل ليسدد دينه، وعائلات باكملها تنهار واطفال تضيع أحلامها وعقد اجتماعي يتفكك.

ان الأزمة الحقيقية لا تكمن في رغبة الناس في التخلف عن السداد، بل في عجزهم المطلق عن اساسيات الحياة وتوفير لقمة العيش في ظل بيئة اقتصادية قاهرة، فأصبح المواطن حائراً بين مطرقة متطلبات الحياة اليومية الأساسية وسندان الدخل الشحيح.

كيف لهم السداد والحد الأدنى للأجور ما زال يراوح مكانه، عاجزاً عن الصمود أمام موجات التضخم المتلاحقة وقفزات الأسعار الجنونية؟ وتكتمل المأساة مع غياب الفرص التشغيلية الحقيقية فالشباب يتخرجون من الجامعات ليجدوا أنفسهم في طابور طويل من العاطلين عن العمل، بلا أمل قريب وبلا مظلة أمان، مما يضطرهم مجبرين إلى الاستدانة وتوقيع الشيكات والكمبيالات لمجرد الاستمرار في الحد الادنى من العيش.

الحل الحقيقي لا يبدأ من دوائر التنفيذ في المحاكم، بل يبدأ من غرف التخطيط الاقتصادي وإصلاح هذا المشهد يتطلب شجاعة في الطرح وعملية في التطبيق، من خلال خطوات حاسمة تتمثل في رفع الأجور ربط الحد الأدنى للأجور بمعدلات التضخم لضمان قدرة إنفاقية كريمة. وتحفيز الاستثمار وبيئة جاذبة للمشاريع الإنتاجية القادرة على توليد وظائف مستدامة للشباب وإصلاح منظومة الائتمان وضع ضوابط صارمة على البنوك لمنع استغلال الأفراد ووقف الإقراض العشوائي لتجنب إغراق الأفراد في الديون وتفعيل المسؤولية الاجتماعية من خلال إيجاد صناديق تكافلية ومرنة تسهم في جدولة ديون المتعثرين بضمانات تشغيلية.

قبل أن نتجادل حول فتح أبواب السجون للمتعثرين، دعونا نفتح أبواب المصانع والشركات ومجالات العمل للعاطلين. وقبل أن نحاسب المواطن على جيوبه الفارغة، دعونا نسأل أنفسنا: ماذا قدمنا له ليملأها؟ إن علاج أزمة الدين يبدأ بتأمين الكرامة الإنسانية أولاً، عبر رواتب عادلة وفرص عمل حقيقية، وحينها فقط سيتعافى الاقتصاد وينتهي هذا السجال العقيم.

مدار الساعة ـ