أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عمرو يكتب: نحو غرف تجارية ذكية.. الحوكمة والشفافية بوابة التحديث الاقتصادي


عماد عبدالقادر عمرو
رئيس مجلس محافظة العقبة سابقًا

عمرو يكتب: نحو غرف تجارية ذكية.. الحوكمة والشفافية بوابة التحديث الاقتصادي

عماد عبدالقادر عمرو
عماد عبدالقادر عمرو
رئيس مجلس محافظة العقبة سابقًا
مدار الساعة ـ

لم تعد الغرف التجارية في العالم الحديث مجرد مؤسسات خدمية تُعنى بإصدار شهادات المنشأ أو تصديق الوثائق التجارية، بل أصبحت شريكاً رئيسياً في صناعة القرار الاقتصادي، وركيزة أساسية في بناء بيئة استثمارية مستقرة وقادرة على المنافسة. ومع التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، بات من الضروري إعادة النظر في بنية الغرف التجارية وأدوارها وآليات إدارتها بما ينسجم مع مفاهيم الحوكمة الحديثة والاقتصاد الرقمي.

في الأردن، تؤدي الغرف التجارية دوراً محورياً في تمثيل القطاع التجاري والدفاع عن مصالحه والتنسيق مع الجهات الرسمية، إلا أن التطورات الاقتصادية الحالية تفرض الانتقال من النموذج التقليدي القائم على الإدارة الإجرائية والتمثيل المحدود، إلى نموذج أكثر احترافية يعتمد على الشفافية والكفاءة والرقمنة والمشاركة الواسعة.

ولفهم حجم التحول المطلوب، يكفي النظر إلى بعض التجارب الدولية المتقدمة، وعلى رأسها التجربة الفرنسية، حيث تحولت غرف التجارة والصناعة إلى مؤسسات اقتصادية متكاملة تعمل كشريك فعلي للدولة والقطاع الخاص في التخطيط والتنمية والتدريب والاستثمار والتحول الرقمي.

في فرنسا، لا تقتصر مهام هذه الغرف على الخدمات الإدارية التقليدية، بل تمتد إلى إدارة برامج التدريب والتأهيل المهني، واحتضان الشركات الناشئة، وتطوير المدن الاقتصادية، وتوفير منصات رقمية متقدمة لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى دورها في دعم التصدير والاستثمار الدولي. والأهم أن الحوكمة والشفافية هناك ليست شعارات، بل نظام عمل قائم على الإفصاح المالي والتدقيق والمساءلة.

أما في الأردن، فما تزال غالبية الغرف التجارية تتحرك ضمن إطار تقليدي يركز على المعاملات والخدمات الإدارية والتمثيل العام، رغم التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد الوطني. فقد ظهرت قطاعات جديدة خارج الإطار التقليدي، مثل الاقتصاد الرقمي، والتجارة الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، وصناعة المحتوى، والتكنولوجيا المالية، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الإبداعي، وهي قطاعات أصبحت اليوم جزءاً رئيسياً من النمو الاقتصادي العالمي.

المشكلة الأساسية لم تعد تقنية فقط، بل تتعلق بفلسفة الدور نفسه؛ فالغرف التي تستمر في التعامل مع الاقتصاد بعقلية تقليدية ستجد نفسها تدريجياً خارج مسار الاقتصاد الجديد، الذي يتحرك بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات التقليدية على التكيف.

لذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب من الغرف التجارية في الأردن التوقف الجاد لإطلاق استراتيجية جديدة شاملة، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات، بحيث لا تُعامل هذه الانتخابات كاستحقاق إداري دوري، بل كفرصة لإعادة تعريف الدور والهوية والوظيفة الاقتصادية لهذه المؤسسات.

فالاقتصاد الأردني اليوم لا يشبه الأمس. هناك توسع في الاقتصاد الرقمي، وتغير في أنماط الاستثمار، وتطور في سلاسل التوريد، وظهور قطاعات جديدة تخلق فرص عمل واستثمار بمعدلات متسارعة. وفي المقابل، لا تزال بعض الغرف التجارية تعمل بأدوات تنظيمية وإدارية لا تعكس هذا التحول.

ومن هنا، يجب أن تنتقل الغرف التجارية من عقلية إدارة المعاملات إلى عقلية إدارة التحول الاقتصادي، عبر تبني الحوكمة والشفافية والرقمنة، وتوسيع قاعدة التمثيل، وبناء مؤشرات اقتصادية حديثة، وإعادة هيكلة اللجان القطاعية بما يواكب الاقتصاد الجديد.

كما أن الانتخابات المقبلة يجب أن تُبنى على برامج اقتصادية واضحة وقابلة للقياس، لا على تحالفات تقليدية أو إعادة إنتاج للوجوه ذاتها. فالقطاع التجاري اليوم يحتاج إلى قيادات تمتلك فهماً عميقاً للاقتصاد الرقمي، وريادة الأعمال، والاستثمار الحديث، والأسواق العالمية، وليس فقط الخبرة التقليدية في التجارة.

وفي هذا السياق، يبرز ملف الاشتراكات السنوية والانتساب كأحد أهم نقاط التحول. فالكثير من الشركات، خصوصاً في القطاعات الرقمية والناشئة، لم تعد ترى في الرسوم المفروضة قيمة موازية للخدمات المقدمة. وهنا تتحول المعادلة من “إلزام مالي” إلى “قيمة مضافة”، حيث يصبح استمرار الانتساب مرتبطاً بقدرة الغرفة على تقديم خدمات فعلية: بيانات اقتصادية، فرص تشبيك، دعم استثماري، تدريب، وتمثيل حقيقي للمصالح.

في الاقتصاد الحديث، لم يعد النفوذ المؤسسي قائماً على الصلاحيات القانونية فقط، بل على القدرة على إنتاج قيمة ملموسة للمنتسبين يومياً. وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الغرف التجارية: البقاء كمؤسسات إجرائية، أو التحول إلى مؤسسات ذكية ذات تأثير اقتصادي فعلي.

كما أن الحوكمة أصبحت معياراً حاسماً لقياس كفاءة هذه المؤسسات، من خلال الإفصاح المالي، ونشر التقارير، وتعزيز المساءلة، وتوسيع المشاركة في صنع القرار، وهو ما يزال بحاجة إلى تطوير أعمق في السياق المحلي.

ويضاف إلى ذلك ضرورة أساسية تتمثل في مراعاة خصوصية كل محافظة داخل هيكل الغرف التجارية، لأن الاقتصاد الأردني ليس كتلة واحدة متجانسة. فكل محافظة تمتلك بنية اقتصادية مختلفة؛ هناك محافظات تعتمد على التجارة والخدمات، وأخرى على الصناعة أو الزراعة أو السياحة أو النقل.

هذا التنوع يتطلب مقاربة لامركزية حقيقية، تمنح كل محافظة القدرة على تحديد أولوياتها الاقتصادية وفق ميزاتها التنافسية، بدلاً من فرض نموذج موحد لا يعكس الواقع. فبعض القطاعات في المحافظات لا تشكل فقط نشاطاً محلياً، بل تمثل رافداً مباشراً للاقتصاد الوطني وموازنة الدولة عبر التصدير والاستثمار والسياحة والخدمات.

إن قوة الاقتصاد الوطني تبدأ من قوة المحافظات، وقوة المحافظات تبدأ من مؤسسات اقتصادية قادرة على تمثيل واقعها الحقيقي.

وفي النهاية، فإن بناء غرف تجارية ذكية في الأردن لا يعني مجرد تحديث إداري أو رقمي، بل إعادة صياغة كاملة لدورها ووظيفتها. فإما أن تتحول إلى مؤسسات قادرة على قيادة التحول الاقتصادي، أو تبقى ضمن إطار تقليدي يفقد تدريجياً قدرته على التأثير في اقتصاد يتغير بسرعة لا تتوقف.

مدار الساعة ـ