يؤكد جلالة الملك عبدالله الثاني دائماً على أن القطاع الصناعي ركيزة اقتصادية ترتبط مباشرة بالنمو والتشغيل والصادرات والأمن الاقتصادي، لذلك جاءت الاجتماعات المتكررة مع الصناعيين ضمن إطار واضح يقوم على متابعة الأداء، وتقييم التحديات، ودفع الحكومات نحو تسريع القرارات المرتبطة بالإنتاج والاستثمار والتصدير.
الاقتصاد الأردني خلال السنوات الماضية واجه اختبارات صعبة فرضتها الأزمات الإقليمية والعالمية، بدءًا من جائحة كورونا وصولًا للحرب الإقليمية وما نتج عنها من اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع كلف الشحن والطاقة، وهذه الظروف أعادت ترتيب الأولويات الاقتصادية، ووضعت الصناعة في موقع متقدم داخل معادلة الاستقرار الاقتصادي، خصوصًا في قطاعات الغذاء والدواء والصناعات الكيماوية التي حافظت على تزويد السوق المحلي وواصلت التصدير للأسواق الخارجية.الأرقام تعكس حجم التحول الذي شهده القطاع الصناعي، إذ إن الأردن انتقل من مستويات تصدير محدودة إلى حضور أوسع في الأسواق العالمية، مستفيدًا من الاتفاقيات التجارية والانفتاح الاقتصادي الذي دعمته الدولة منذ سنوات، فالصناعات الغذائية والدوائية والكيماوية توسعت في عشرات الأسواق، ورفعت مساهمتها في الصادرات الوطنية، ما عزز تدفق العملات الأجنبية ورفع قدرة الاقتصاد على التعامل مع الضغوط الخارجية.القطاع الصناعي اليوم يمثل أحد أكبر محركات التشغيل في الأردن، وهذه النقطة ترتبط مباشرة بملف البطالة، وكل زيادة في الصادرات الصناعية تعني توسعًا في خطوط الإنتاج، وارتفاعًا في الطلب على العمالة، وزيادة في النشاط اللوجستي والخدمات المساندة.الصناعيون يؤكدون أن رفع الصادرات ينعكس مباشرة على خلق فرص العمل، وأن التوسع الصناعي قادر على استيعاب أعداد كبيرة من الشباب الأردني إذا توفرت البيئة الاقتصادية المناسبة.ورغم التقدم الذي تحقق، ما تزال هناك تحديات تؤثر على تنافسية الصناعة الوطنية، خصوصًا في ملف كلف الإنتاج والطاقة والإجراءات المرتبطة بالاستثمار والتوسع، خاصة أن القطاع الصناعي يطالب بتسريع القرارات التنفيذية، وتوسيع الاعتماد على الطاقة البديلة، وتخفيف التعقيدات الإجرائية، لأن المنافسة الإقليمية اليوم تقوم على سرعة الإنجاز وانخفاض الكلفة ومرونة التشريعات.في المقابل، يمتلك الأردن عناصر قوة اقتصادية تمنحه فرصة التحول إلى مركز صناعي إقليمي، إذ إن الاستقرار النقدي، وثبات التشريعات، والأمن، والموقع الجغرافي، والبنية المصرفية، جميعها عوامل تمنح المستثمر قدرة أكبر على التخطيط طويل الأمد مقارنة بأسواق تعاني من اضطرابات العملة أو تغيرات القوانين أو المخاطر السياسية، وهذه المزايا ظهرت بوضوح خلال السنوات الماضية عندما تحولت العقبة إلى نقطة رئيسة لتزويد أسواق المنطقة بالسلع والبضائع نتيجة الأوضاع الإقليمية المحيطة.الاهتمام الملكي بالصناعة يرتبط أيضًا برؤية اقتصادية أوسع تقوم على تقليل الاعتماد على الاستيراد، ورفع نسبة القيمة المضافة المحلية، وتعزيز الإنتاج الوطني القادر على المنافسة، لأن الاقتصاد الذي ينتج ويصدر يمتلك قدرة أعلى على النمو والاستقرار المالي وتحسين ميزان المدفوعات، فيما الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد تبقى أكثر تعرضًا للصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية.الصناعة الأردنية اليوم أمام مرحلة جديدة تتطلب الانتقال من إدارة التحديات إلى التوسع المنظم في الإنتاج والتصدير والاستثمار الصناعي، وهذا المسار يحتاج إلى شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الصناعي، وإلى قرارات اقتصادية سريعة تتعامل مع الصناعة باعتبارها استثمارًا إستراتيجيًا طويل الأمد يرتبط مباشرة بمعدلات النمو وفرص العمل والاستقرار الاقتصادي.اهتمام ملكي دائم بالصناعة
مدار الساعة (الغد) ـ