أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

بطاح يكتب: أين 'مجلس سلام' ترامب؟


د. أحمد بطاح

بطاح يكتب: أين 'مجلس سلام' ترامب؟

مدار الساعة ـ

في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها التي ما زالت تتوالى حتى الآن يتساءَل المراقب للأوضاع السياسية: ماذا حدث "لمجلس السلام" الذي شكله الرئيس الأمريكي؟ هل ما زال حياً؟ وهل سيتم بعثه من جديد ليكون "الوصفة السحرية" التي سوف تنهي مأساة قطاع غزة الذي شهد "إبادة جماعية" مشهودة ومازال ينتظر الفرج؟

إنّ هناك عدداً من الحقائق الصادمة التي لا تنبئ بخير بشأن "مجلس السلام" هذا ولعلّ من أهمها:

أولاً: أنه لم ينعقد أبداً بعد تشكيله واجتماعه الأول، وإذا أخذنا بالاعتبار أن رئيسه وهو الرئيس الأمريكي ذو مشاغل عالمية وأهمها الآن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط فهمنا صعوبة أن يلتئم مثل هذا المجلس وأن يكون له دور حقيقي فاعل في التعامل مع قضية القطاع المنكوب.

ثانياً: أنّ أعضاءَه هُم في أغلبيتهم من رؤساء الدول أو من الشخصيات المهمة في دولهم، ولذا فليس من السهل أن يجدوا الوقت الكافي لقضية لا تعتبر من أولوياتهم أو من القضايا المُلحّة على أجندتهم!

ثالثاً: أنّ مفوض مجلس السلام "نيكولاي ملادينوف" لم يزر القطاع زياراتٍ كافية لكي يعرف طبيعة المشكلة على الأرض وكيف يمكن أن يتعامل معها، ولعلّ من الواضح أن زيارات عديدة مطلوبة من هذه الشخصية الدولية للقطاع فهو ليس ابن المنطقة، وليس له خبرة سابقة في تعقيدات القضية الفلسطينية وأبعادها لكي يستطيع اجتراح الحلول عن بعد!

رابعاً: أنّ اللجنة الوطنية (من أبناء قطاع غزة) المكلفة بإدارة الشؤون اليومية في القطاع مُنعت من قبل إسرائيل من الدخول إلى القطاع ومباشرة أعمالها، وغني عن القول أن هذه اللجنة سوف تحل محل حركة حماس (التي أعلنت عدم رغبتها في الاستمرار في حكم القطاع) في إدارة القطاع بكل ما يتطلبه ذلك حيث أن مليوني فلسطيني مُكدّسون في (38%) من أراضي القطاع وفي منازل مُدمّرة أو شبه مدمرة مع الحاجة الماسة إلى كل الخدمات التي يحتاجها الإنسان من غذاء، وماء، وكهرباء، ونقل، واتصالات وغيرها.

خامساً: أنّ "قوة السلام" التي كان من المُفترض تشكيلُها لكي تضمن الأمن في القطاع وربما لكي تنزع "سلاح حماس" لم يتم تشكيلها حتى الآن، ومن الواضح أن كثيراً من الدول مترددة في الانخراط في مثل هذه القوة وبخاصة إذا طُلب منها الاشتباك مع حماس ومحاولة نزع سلاحها بالقوة. إنّ ضمان الأمن في القطاع هو مُتطلب جوهري للبدء بحل كل الإشكاليات الأخرى وهي كثيرة في قطاع غزة. ومما يزيد الأمر قتامة ودلالة على أنّ "مجلس السلام" لم ينجز شيئاً من مهماته على أرض الواقع هو أنّ إسرائيل تتخذ من الإجراءات ما يعقد مسؤوليات هذا المجلس، ويجعل من الصعوبة بمكان أن ينجح فيما اُنتدب إليه من قبل الرئيس الأمريكي ولعلّ أهمها:

أولاً: توسيع "الخط الأصفر" من قِبل إسرائيل الذي كان يعني احتلال 53% من أراضي القطاع لكي يصبح "الخط البرتقالي" الذي يعني احتلال ما يقارب الـ 60%، أيّ أنّ إسرائيل بدلاً من أن تنسحب نهائياً من القطاع كما يجب تحتل فعلياً أكثر من نصفه تقريباً.

ثانياً: عدم فتح المعابر التي يُفترض أن تمد القطاع بكل أسباب الحياة، والاقتصار على بعض المعابر التي تكفي السكان لكي يبقوا على قيد الحياة لا أكثر ولا أقل!

ثالثاً: عدم السماح بدخول أيّة آليات لإزالة الركام، أو أيّة بيوت جاهزة، أو كل ما يمكن أن يوحي برغبة إسرائيل بإعادة إعمار القطاع وجعله يعود إلى الحياة بعد أن عايش الموت فعلياً لمدة سنتين تقريباً.

ما معنى كل ما سبق؟ إنّ معناه ببساطة أنّ فكرة ترامب (وهي مجلس السلام) ولدت ميتة، ولا يُتوقع لها أن تكون حلاً لقضية قطاع غزة ناهيك عن القضية الفلسطينية لاحقاً.

إنّ فكرة "مجلس السلام" كانت خطوة استعراضية لإسكات العالم بعد "المقتلة" التي كان يمارسها الإسرائيليون بحق الفلسطينيين أمام العالم يومياً، وقد كانت أيضاً نوعاً من الالتفاف على منظمة الأمم المتحدة والاستعاضة عنها ببدائل أخرى، ولذا فليس مُستغرباً أن تنتهي هذه النهاية المؤسفة.

إنّ فكرة "مجلس السلام" تؤكد مرةً أخرى أن الشعوب وحدها القادرة على حل قضاياها، وعليه فليس سوى العرب (وبالذات الفلسطينيون) قادرون على التعامل مع قضاياهم وحلحلتها، أما انتظار الدول الأخرى فلن يفيد ولن يُجدي!

مدار الساعة ـ