أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

هناك في برتا… وطن كامل الجمال مع وقف التنفيذ (فيديوهات) (video)

مدار الساعة,Video,فيديو,أخبار السياحة في الأردن
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب إبراهيم قبيلات -

في زاوية بعيدة من هذا الشرق المتعب، هناك جمال ما يزال حيا لأنه نجا—حتى الآن—من عبث الإنسان الحديث، ومن خطط التطوير التي غالبا ما تنتهي بكارثة إسمنتية تحمل اسم "الإنجاز".

هناك خلف الجبال، في ذيبان، تختبئ "برتا" كسرّ صغير خارج ضوضاء العالم؛ مكان لا يشبه نشرات الأخبار، ولا صالونات السياسة، ولا المدن التي أرهقها الإسفلت والإعلانات والوعود الحكومية الثقيلة.

برتا ليست مجرد منطقة سياحية مهملة، بل لحظة صفاء نادرة، كأن الطبيعة هناك قررت أن تحتفظ بنسخة قديمة من الأردن، قبل أن تكتشفه البيروقراطية.

حين تصل إليها—إن وصلت—ستشعر فجأة أنك أمام الأردن الآخر؛ الأردن الذي لا يظهر في المؤتمرات، ولا في العروض الترويجية الرسمية، بل يعيش بصمت داخل تضاريسه، وفي ذاكرة الناس الذين يعرفون قيمة المكان أكثر من كل الخطط المكتوبة على الورق.

لكن المفارقة أن هذا الجمال لا يمنح نفسه بسهولة. فبرتا تفرض عليك نوعا من "الاختبار الوجودي". إما أن تمشي ساعات بين الوديان والمسالك الوعرة، أو أن تستعين بحمار يعرف الجغرافيا أكثر من بعض المسؤولين عن الملف السياحي.

وفي تلك اللحظة تحديدا، بينما كنت اتفحص هذا الجمال القاسي إلكترونيا، كانت الأخبار القادمة من واشنطن تتحدث عن إدخال البنتاغون صاروخ "النسر المظلوم" إلى الخدمة الاستراتيجية، في رسالة جديدة من إدارة ترامب إلى موسكو وبكين، ضمن سباق النفوذ العالمي بالنار والتكنولوجيا.

كان المشهد سرياليا إلى حد يصعب تصديقه:

العالم كله منشغل بإنتاج أدوات موت أكثر تطورا، بينما كنت مستمتعا ببقعة جمال لا تزال بلا طريق ولا خدمات ولا حتى اعترافات رسمية. وهنا تحديدا تكمن الحكاية.

برتا ليست أزمة طريق سياحي فقط، بل صورة مكثفة عن أزماتنا كلها. لدينا الجغرافيا، والثروة، والطبيعة، والطاقة البشرية، وحتى الحكاية القادرة على صناعة مكان عالمي… لكننا غالبا نعجز عن بناء الجسر البسيط بين الإمكان والفعل.

في الأردن، تبدو أشياء كثيرة مثل برتا:

تتعب كثيرا كي تصل، هذا إن وصلت أصلا، بينما يواصل البعض إقناعك بأنك وصلت منذ زمن.

المشهد هناك يكشف مفارقة موجعة:

بلد مليء بالفرص، لكنه يقف طويلا عند حافة التنفيذ، كأن الخطط عندنا تُولد متعبة، أو كأن البيروقراطية تمتلك قدرة خارقة على تحويل أبسط المشاريع إلى رحلات شاقة في وادٍ سحيق.

ومع ذلك، ربما علينا الاعتراف بشيء أخير، لعل جمال برتا نجا فعلا لأنها بقيت بعيدة عن "إنجازاتنا".

فبعض الأمكنة لا تحتاج إلى خطط ضخمة بقدر ما تحتاج إلى قليل من الضمير… وكثير من العطاء و"الرحمة".

ويبقى الشكر للشاعر جلال شبيلات، الذي التقط بعدسته ووجدانه هذا الجمال السائل، وذكّرنا أن في الأردن أماكن ما تزال قادرة على إنقاذ الروح… إذا وصلنا إليها قبل أن تصلها مشاريعهم.


مدار الساعة ـ