أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الكردي تكتب: المؤثرون'.. حين تروج الحكومة لصوتها خارج مؤسساتها


جوان الكردي

الكردي تكتب: المؤثرون'.. حين تروج الحكومة لصوتها خارج مؤسساتها

مدار الساعة ـ

لم يعد الحديث عن استعانة الحكومات فيما يسمى "المؤثرون" مجرد تفصيل عابر في مشهد الاتصال السياسي، بل تحول مؤشراً يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقة بين الدولة والرأي العام، وحول الأدوات التي باتت تستخدم لصياغة هذا الرأي أو التأثير فيه.

تصريح وزير الاتصال الحكومي الناطق باسم الحكومة الدكتور محمد المومني، الذي أشار فيه إلى الاستعانة بمؤثرين لنفي الشائعات، يفتح بابا واسعا للنقاش، ليس حيال الأشخاص بحد ذاتهم، وإنما حيال الفكرة التي تقف خلف هذا التوجه.

أي حكومة هذه التي تبحث عن تأثيرها لدى شخصيات صنعتها منصات التواصل اكثر مما صنعتها الخبرة او المهنية؟ وكيف يمكن لمؤسسة يفترض أنها مصدر المعلومة الأوثق أن تستند في خطابها إلى أصوات خارج إطارها المؤسسي؟

المشكلة هنا لا تكمن في وجود المؤثرين أو في حجم متابعيهم، فهذا جزء أوجده تطور المشهد الرقمي، إنما تكمن المشكلة في تراجع الأدوات الرسمية القادرة على صناعة التأثير..

حين تفقد المؤسسات الإعلامية الرسمية، والقريبة منها، قدرتها على الإقناع، وتغيب عنها لغة التواصل القريبة من الناس، يصبح الفراغ جاهزا ليملأه أي صوت آخر، بغض النظر عن كفاءته أو مسؤوليته.

وهنا يبرز سؤال أكثر صراحة: مؤثرون في ماذا؟ هل التأثير في استعراض المطاعم، أو الترويج للأماكن السياحية، أو مشاركة تفاصيل الرحلات اليومية، يمكن أن يتحول فجأة إلى تأثير في وعي الناس السياسي أو في تشكيل قناعاتهم العامة؟ وهل من يصنع محتوى ترفيهياً او استهلاكياً قادر على حمل مسؤولية خطاب عام يتطلب دقة ومصداقية وخبرة؟

بل إن جزءاً كبيراً من هذا المحتوى يقوم أساساً على عرض تفاصيل الحياة اليومية، من ماذا أكلوا، أين ذهبوا، كيف قضوا يومهم، ماذا اشتروا، وأين سافروا. هي تفاصيل قد تجذب المتابعة وتحقق نسب مشاهدة عالية، لكنها تبقى في إطار الترفيه والاستهلاك، ولا تشكل بالضرورة قيمةً معرفيةً أو وعياً عاماً يمكن البناء عليه في قضايا تمس المجتمع والدولة.

وهنا يطرح السؤال نفسه بوضوح: بماذا أفادوا؟ وماذا أضافوا فعلا؟ هل قدموا معرفة؟ هل أسهموا في رفع الوعي؟ هل ساعدوا الناس على فهم قضاياهم؟ أم أن التأثير اقتصر على الترويج لنمط حياة، أو تسويق أماكن ومنتجات، بدون أي دورٍ حقيقي في تشكيل رأيٍ عامٍ واعٍ ومسؤول؟

السؤال الأكثر حساسية اليوم: هل أصبحت منصات التواصل بديلا عن الإعلام الوطني؟ وهل بات بعض ناشطيها يقودون الرأي العام بينما تتراجع مؤسسات الدولة إلى الخلف؟ إذا كان الجواب يقترب من نعم، فنحن أمام خلل لا يمكن تجاهله أو تبريره.

الدولة القوية لا تدخل سباقا مع الشائعات، بل تسبقها بالحقيقة. لا تنتظر من الآخرين الدفاع عنها، بل تبني خطاباً واضحاً مقنعاً يجعل المواطن يثق بها بدون وسيط.

الثقة لا تصنعها الخوارزميات، بل تبنيها المصداقية والاستمرارية والشفافية.

أما الخطير حقا، فليس في الاستعانة بالمؤثرين بحد ذاتها، بل في أن يتحول صوتهم إلى بديل عن صوت الدولة، وأن تصبح المؤسسات الرسمية مجرد متفرج في معركة الرأي العام.

وهنا لا بد من التذكير بأن ليس من مهمة الإعلام الرسمي أو شبه الرسمي، أو المستقل (إن وُجِد) تشكيل الرأي العام، وإنما توفير المعلومات الدقيقة والصحيحة للمواطن وعرض مختلف وجهات النظر حيال مختلف القضايا، والمواطن هو الذي يقرر ويشكل قناعاته بناءاً على ما يتوافر لديه من معلومات.

عندها، لا تكون المشكلة في المواطن الذي يبحث عمن يقنعه، بل في مؤسسة لم تعد قادرة على أن تكون هي المصدر الأول للثقة وللمعلومة الدقيقة، وأن تخطو خطوات جادة في ردم الفجوة السحيقة للثقة، إن لم نقل انعدامها، بينها وبين الشارع.

مدار الساعة ـ