الأردن لم يصل إلى ما هو عليه صدفة، ولم تكن التحديات التي واجهها يومًا وليدة لحظة أو أزمة عابرة. منذ عقود طويلة، والشارع الأردني يتعرّض لمحاولات إنهاك وتشويه وإرباك من مصادر متعددة؛ سياسية، واقتصادية، وإعلامية، وحتى اجتماعية. كانت هناك دائمًا قوى تحاول ضرب ثقة الأردني بدولته، وزرع الإحباط في النفوس، وتحويل كل أزمة إلى حالة غضب مفتوحة على المجهول. ومع ذلك، بقي الأردن صامدًا بطريقة تكاد تكون معجزة سياسية في هذا الشرق المتعب.
نعم، أخطأنا أحيانًا، وتأخرنا أحيانًا، وتعثّرت بعض الملفات، لكنّ الفرق أنّ الأردن لم يسقط أخلاقيًا ولا وطنيًا. بقيت الدولة هنا تحمل معنا عبء المنطقة كلّها وتستقبل وتتحمّل وتداوي وتحافظ على اتزانها رغم كل الضغوط. وهذا ليس كلام عاطفة، بل حقيقة يعرفها كل من يفهم ماذا يعني أن تبقى مؤسسات الدولة قائمة ومحترمة وسط هذا الجنون المحيط بنا.المؤلم فعلًا ليس وجود التحديات بل ذلك الصوت الذي لا يرى في الوطن سوى مساحة للغضب والكراهية والتشكيك. هناك من يتحدث عن الأردن وكأنه عدو شخصي وكأن الدولة لا تستحق سوى الجلد اليومي. النقد حق وضرورة لكن تحويل الوطن إلى هدف دائم للتشويه ليس بطولة، والعبث بالوعي العام ليس حرية رأي. بعض الناس يأخذون من هذا الوطن الأمن والتعليم والكرامة والفرصة، ثم لا يجدون ما يقدّمونه له سوى الإنكار والتحريض المستمر وبث الإحباط في النفوس.الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح أنّ الأردن أقوى من كل حملات الإحباط لأن خلفه قيادة حكيمة تعرف كيف تدير العواصف دون أن تجر البلاد إلى الانهيار. الملك الهاشمي الشريف، ابن هذه الأرض وتاريخها، لم يقُد الدولة يومًا بمنطق المغامرة أو الشعبوية، بل بالحكمة الحقيقية وبالتوازن، والهدوء والكرامة وحماية الوطن قبل أي شيء.بكل تأكيد هناك أيضاً في وطننا رجال أوفياء عملوا بصمت وحافظوا على صورة الدولة وهيبتها رغم قسوة المرحلة. قد نختلف مع بعض السياسات أو القرارات لكن لا يجوز أن ننكر أنّ هذا البلد ما زال واقفًا لأن هناك مؤسسات وأشخاصًا يؤمنون أنّ الأردن ليس مشروعًا مؤقتًا بل وطن يجب أن يبقى.أنا أكتب هنا دفاعًا عن فكرة الوطن نفسها وعن شعور الإنسان حين يرى علَم بلاده ويريد أن يشعر بالفخر لا باليأس. عن حق أطفالنا أن يكبروا وهم يسمعون لغة الانتماء لا لغة الكراهية. فالأوطان لا تُبنى بالصراخ ولا تُحمى بالفوضى ولا تتقدّم حين يتحوّل الجميع إلى قُضاة وجلادين في الوقت نفسه.الأردن أكبر من التحديات وأكبر من حملات التشويه الرخيصة. هذا وطن يستحق أن نختلف داخله باحترام وأن ننتقده بمحبة وأن ندافع عنه حين يحاول البعض كسر صورته أو إضعاف هيبته. لأنّ الحقيقة الوحيدة الثابتة وسط هذا الشرق المشتعل أنّ من يفقد وطنه، يفقد كل شيء.حدادين يكتب: هنا الأردن… وهنا يجب أن نقف
مدار الساعة ـ