حرص المشرع الأردني على وضع إطار قانوني يضمن نزاهة أعضاء مجلسي الأعيان والنواب أثناء ممارستهم لمهامهم الدستورية، ويحول دون استغلال الصفة النيابية لتحقيق منافع مادية شخصية، فأصدر قانون الكسب غير المشروع لعام 2014 بوصفه أحد أهم التشريعات الناظمة لمكافحة الفساد المالي والإداري، ولتكريس مبدأ الإفصاح الدوري الإلزامي عن الذمة المالية لشاغلي المناصب العامة.
وقد جاء هذا القانون انسجاما مع التزامات الأردن الدولية التي تربط بين مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية المالية لكبار المسؤولين في الدولة، إذ يقوم على فلسفة قانونية مفادها أن الوظيفة العامة يجب ألا تتحول إلى وسيلة للإثراء غير المشروع أو لاستغلال النفوذ الوظيفي لتحقيق منافع شخصية. ولهذا السبب، ألزم القانون فئات واسعة من الأشخاص الخاضعين لأحكامه -بمن فيهم الأعيان والنواب- بتقديم إقرارات ذمة مالية بصورة دورية، تتضمن بيانا تفصيليا بالأموال المنقولة وغير المنقولة التي يملكونها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إضافة إلى الأموال العائدة لزوجاتهم وأولادهم القُصَّر.ويمتد واجب الإفصاح المالي ليشمل مرحلة مباشرة الشخص لوظيفته العامة، وخلال استمراره فيها، وعند انتهائها، بحيث يلتزم بالتصريح عن الأموال المنقولة وغير المنقولة بمختلف صورها وأشكالها، وذلك بهدف تمكين الجهات المختصة من مقارنة الوضع المالي للشخص قبل توليه المنصب العام وأثناء وجوده فيه وبعد مغادرته له. فإذا ظهرت زيادة كبيرة أو نمو غير طبيعي في الثروة لا يتناسب مع الموارد المالية المشروعة للشخص، وعجز عن إثبات مصدر مشروع لها، فإن ذلك قد يشكل قرينة قانونية على تحقق الكسب غير المشروع، بما يفتح المجال أمام المساءلة الجزائية.ورغم وضوح هذه المنظومة التشريعية وتعدد الضمانات التي تضمنها القانون، فإن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في وجود التشريع بحد ذاته أو في الصياغة القانونية المتقدمة التي جاء بها، وإنما في مدى تفعيله وتطبيقه الفعلي على أرض الواقع. فعلى الرغم من مرور سنوات طويلة على صدور قانون الكسب غير المشروع، إلا أن التطبيق العملي يكشف عن ندرة القضايا التي جرى فيها تحريك دعاوى الحق العام، ليس فقط بحق أشخاص ارتكبوا أفعالا تمثل اعتداء على المال العام، وإنما بحق المكلفين الذين امتنعوا عن تقديم إقرارات الذمة المالية ضمن المدد القانونية المحددة.ويزداد التساؤل حول فعالية تطبيق هذا القانون عند التوقف أمام الإدارة المؤسسية المكلفة بتنفيذه، إذ أناط قانون الكسب غير المشروع مهمة استقبال إقرارات الذمة المالية وحفظها ومتابعتها بدائرة إشهار الذمة المالية المنشأة في وزارة العدل، والتي يرأسها قاض تمييز يسميه المجلس القضائي، في محاولة لإضفاء طابع قضائي وقانوني على عمل هذه الوحدة الحكومية. إلا أن وجود هذه الدائرة ضمن الهيكل الإداري لوزارة العدل يثير إشكاليات دستورية وإدارية تتعلق بمدى استقلالها الحقيقي عن السلطة التنفيذية.فوزارة العدل، بوصفها جزءا من الجهاز التنفيذي في الدولة، تخضع في النهاية لإدارة الوزير المسؤول سياسيا أمام مجلس النواب، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى انسجام تبعية دائرة إشهار الذمة المالية للوزارة مع متطلبات الفصل بين السلطات، ومع ضرورة استقلال الجهات الرقابية المكلفة بمتابعة ملفات الفساد.وقد ظهرت في السابق محاولات تشريعية لنقل صلاحيات دائرة إشهار الذمة المالية من وزارة العدل إلى هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، لا سيما وأن القانون أجاز للدائرة تزويد الهيئة بصورة طبق الأصل عن الإقرارات والبيانات المتعلقة بالأشخاص الخاضعين لأحكامه عند وجود شكاوى أو إخبارات تتعلق بأفعال فساد. فإسناد ملف الذمة المالية إلى الهيئة من شأنه أن يعزز فعالية الرقابة، ويحقق قدرا أكبر من الاستقلال المؤسسي والحياد في متابعة الإقرارات المالية والتحقق من صحتها ومساءلة الممتنعين عن تقديمها.ولا تقتصر أهمية قانون الكسب غير المشروع على جانبه العقابي فحسب، وإنما يمتد ليؤدي وظيفة وقائية ورقابية في غاية الأهمية، تتمثل في منع استغلال الوظيفة العامة قبل وقوع الجريمة، وترسيخ ثقافة الإفصاح والشفافية. فالتشريعات الحديثة لم تعد تكتفي بمعاقبة الفساد بعد وقوعه، وإنما أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الأدوات الوقائية التي تمنع نشوء بيئة الفساد من الأصل.ومن هنا، فإن ضمان فعالية الجهة المكلفة بمتابعة إقرارات الذمة المالية، وتعزيز استقلاليتها المؤسسية عن باقي السلطات، من شأنه أن يحقق نتائج مهمة على صعيد حماية المال العام، والحيلولة دون استغلال المناصب العامة لتحقيق مكاسب شخصية غير مشروعة.وفي المحصلة، فإن المشكلة الحقيقية في قانون الكسب غير المشروع لا تكمن في نقص النصوص القانونية أو ضعفها، وإنما في غياب التفعيل الحقيقي لأحكامه في الواقع العملي. فالتشريعات التي تبقى حبيسة الأوراق، ولا تُفعَّل بصورة جدية وحازمة، تفقد قيمتها الردعية والوقائية، وتتحول مع مرور الوقت إلى مجرد نصوص جامدة لا تحقق الغاية التي شُرعت من أجلها.نحو تفعيل قانون الكسب غير المشروع
أ. د. ليث كمال نصراوين
أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة
نحو تفعيل قانون الكسب غير المشروع
أ. د. ليث كمال نصراوين
أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة
أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ