في بلدنا، كأي بلد في العالم، «بقع» سوداء تشعرنا بالخجل، تتحرك ماكينة التشكيك والشحن فتحولها إلى «ترند» أو صورة مكبرة ثلاثية الأبعاد، صحيح ؛ لدينا فساد يخرج من مناهل المال والإدارة لم تُكسر عينه بعد، لدينا أخطاء إدارات عامة وطبقة سياسية ومواطنين أيضاً، لدينا انتقادات لا تنتهي على الأداء العام والسلوك الاجتماعي، لدينا خيبات وتراجعات في العديد من القطاعات والمؤسسات، بلدنا يمكن أن يكون أفضل بكثير مما هو عليه الآن.
لكن في المقابل، لدينا صور مشرقة تعكسها مرايا الأردنيين الأصيلة، مسؤولون نظيفون لم تتلوث ايديهم بالفساد، إنجازات تستحق الاحترام، دولة صمدت في مواجهة الأعاصير، نظام سياسي لم يتنازل عن سماحته واعتداله وعقلانيته، لدينا أفضل من كثيرين ممن حولنا على صعيد الحريات العامة والخدمات والاستقرار، لم يغرق بلدنا لا في الفساد ولا الاستبداد ولا الفشل، وما نزال نجتهد لكي نكون الأفضل.هذه ليست مرافعة ضد أحد، ولا مجرد رد على تفجير فقاقيع الفساد خلال الأيام الماضية، ولا محاولة تزيين للصورة أو تغطية على الأخطاء والنواقص، نحن أحياناً نظلم بلدنا ونحمله أكثر مما يحتمل، يفزع بعضنا في تواقيت ملغومة إلى اظهاره في صورة مشوهة لا تشبهه ولا تشبهنا، بعض الذين وزعوا الفساد على برنامج التحول الاقتصادي،مثلاً، أزعم أنهم لم يقرأوه، ولم يعرفوا كيف تم صرف مخصصاته، فيما تعمد آخرون أن يصفّوا حساباتهم مع بعضهم في حلبة الفساد، تصوروا ؛ اثنان من المسؤولين السابقين اللذين ذهبت لوزارتيهم أكثر من 50 % من المبالغ التي رصدت لبرنامج التحول، وأنفقوها بمعرفتهم ووفق صلاحياتهم، كانوا أكثر من انتقد هذا البرنامج، واكثر من الصقوا به شبهات الفساد. أفضل وصفة (أخبث: أن شئت) يمكن أن نصرفها من صيدلية» الشطارة السياسية» هي وصفة فتح ملفات الفساد برعاية «الشو الإعلامي»، تحجز لمن يطلقها مقعداً على مدرج «القامات الوطنية» وتمنحه شهادة الطهارة السياسية، لا تحتاج لأي إثباتات أو جهد في تقصي الحقائق، ولا يحاسب من يطلقها في الغالب، تُغرق المجتمع في نقاشات وصراعات لا تنتهي وتثير غضب الأردنيين وتستدعي إلى ذاكرتهم الفقر والمعاناة والمظلومية، هذه الوصفة، أيضاً، هي أقصر طريق يستخدمها البعض للحفاظ على فسادهم وحمايته، مباريات شتم الفساد وشيطنة أصحابه المجهولين تحولت، للأسف، إلى مونديال أبطاله الحصريون الفاسدون أنفسهم.لدينا أسوأ من الفساد، وهو تعطيل الاستثمار وطرد المستثمرين ومعاقبتهم وتسميم البيئة الاستثمارية، هذه الجريمة يشارك في صناعتها كثيرون؛ قرارات غير مدروسة، بيئة تشريعية غير مناسبة، بيروقراطية وموظفون مرعوبون، باحثون عن حصة بسيطة من الكعكة، سياسيون شطار ينفخون في كير الفساد، جمهور يتلقى الإشاعات ويصدقها دون أدنى تمحيص.. وغيرهم.لا يخطر ببالي، أبداً، التهوين من خطر الفساد، سواء أكان ماليا أو إداريا، والأخير أخطر بكثير، أو إنكار وجود الفاسدين، او أهمية الكشف عن المتورطين فيه ومحاسبتهم، ما أقصده هو الانتباه للمصائد والفخاخ التي يتم نصبها لاصطيادنا، وذلك من خلال المبالغة وإصدار الأحكام بناء على الانطباعات، وتهييج المشاعر، وتصفية الحسابات السياسية، بموازاة تغييب الحقائق والاولويات التي يفترض ان ننشغل بها كأردنيين، والاهم بموازاة تجنب الطريق الذي نعرفه جميعا لمحاصرة الفساد، الطريق الذي يمر عبر القانون والمؤسسات الوطنية التي يجب ان تتحمل مسؤولياتها، وعبر مواقف رجال وطنيين يتميزون بالنظافة والشجاعة والحزم، لا بالخطابات والتصريحات فقط.لدينا أسوأ من الفساد في الأردن
مدار الساعة (الدستور الأردنية) ـ