أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الأردن وأسئلة العقد القادم


الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق

الأردن وأسئلة العقد القادم

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

منذ سنوات، دخل الشرق الأوسط مرحلة تحوّل جيواستراتيجي عميق ضمن إعادة تشكيل عالمية تعيد توزيع موازين القوة والاقتصاد والنفوذ. وفي مثل هذه اللحظات، لا تنفجر الأزمات بسبب عامل واحد، بل نتيجة تراكم أزمات مزمنة تضرب البنية العميقة للدولة والمجتمع معاً.

والأردن اليوم يقف أمام مرحلة حساسة، تتقاطع فيها أزمات المياه والطاقة والسيولة النقدية مع تحولات اجتماعية متسارعة، وتراجع نوعي في التعليم، وضعف متزايد في الإدارة العامة، داخل إقليم يُعاد تشكيله سياسياً واقتصادياً وأمنياً. السؤال الأخطر لم يعد: هل توجد أزمة؟ بل: هل ما نعيشه مرحلة عابرة، أم بداية انتقال الأردن إلى طور مختلف من تاريخه الاجتماعي والاقتصادي؟

تاريخياً اعتاد الأردن على إدارة الندرة، لكن ما يحدث اليوم يتجاوز ذلك. فالدولة التي نجحت لعقود في التكيّف مع محدودية الموارد تواجه اليوم ضغوطاً متزامنة: شحاً مائياً، وارتفاعاً في كلفة الطاقة، واقتصاداً هشاً يعتمد على الخارج، وبطالة مرتفعة، وتراجعاً في التعليم والثقة العامة، إلى جانب إحباط متزايد للكفاءات والعقول.

وفي العمق، يبرز سؤال أكثر قسوة: هل يستطيع أي مجتمع الحفاظ على استقراره إذا تراجعت جودة التعليم، وضعفت الإدارة، وتقلصت الطبقة الوسطى، وتآكل الإحساس بالعدالة الاجتماعية؟ ويمكن استحضار الإجابة من مقال فهد الخيطان بعنوان "الأردن.. جرس الإنذار"، المنشور في جريدة الغد بتاريخ 3/5/2026.

أزمة المياه قد تجاوزت كل الحدود. فالمملكة الأفقر عالمياً -وفق تصريحات الوزير في 14/5/2026- إذ تبلغ حصة الفرد لكافة الاستخدامات أقل من 60 متراً مكعباً سنوياً. والسؤال: كيف لها أن تصبح 110 أمتار مكعبة عام 2029، حسب تصريح آخر بتاريخ 24/4/2026؟ والضغوط المائية مرشحة للتضاعف. ورغم أن الحكومة ضاعفت جهودها استجابة لتوجيهات الملك الذي حسم قرار مشروع الناقل الوطني باعتباره قراراً سيادياً، إلا أن الحاجة ما تزال قائمة لتفكيك كلفة المشروع من تحلية ومضخات وأنابيب ومد خطوطها، والطاقة، وكلفة المتر المكعب، انسجاماً مع مبادئ الحوكمة والشفافية التي يدعو إليها الملك.

وفي موازاة ذلك، تبقى الطاقة إحدى أبرز نقاط الهشاشة الوطنية. فالأردن يعتمد على الخارج لتأمين احتياجاته النفطية والغازية، رغم التقدم النسبي في الطاقة المتجددة. لكن السؤال الأعمق يتعلق بقدرة الدولة على الحفاظ على تنافسيتها الاقتصادية في ظل ارتفاع كلفة الطاقة، وتحمل صدمات إقليمية جديدة في البحر الأحمر أو الخليج أو شرق المتوسط دون انعكاسات داخلية.

ثم تأتي الأزمة الاقتصادية، وهي الأخطر كونها تضرب البنية الاجتماعية مباشرة. فعندما تتراجع القدرة الشرائية وتتآكل الطبقة الوسطى وتتسع الفجوة بين الدخول والأسعار، يبدأ المجتمع بفقدان ثقته بإمكانية الصعود الاجتماعي.

وهنا يبرز السؤال الذي تخشاه كثير من الدول: ماذا يحدث عندما يشعر الشباب أن التعليم لم يعد يضمن فرصة، وأن الوظيفة لم تعد تحقق الاستقرار، وأن المستقبل أصبح أكثر غموضاً؟ فالمجتمعات لا تهتز بسبب الفقر وحده، بل بسبب فقدان الأمل.وفي قلب هذا المشهد، يبرز سؤال يتعلق بطريقة إدارة الأزمات الكبرى: هل يعمل بعض المسؤولين، أحياناً، على ترحيل الأزمات عبر ربطها بسلسلة من الوعود والمشاريع المؤجلة؟ اليوم، يتكرر عام 2029 بوصفه محطة خلاص مؤجلة: إنتاج 418 مليون قدم مكعب من الغاز من حقل الريشة -ولم يجب أحد حتى الآن عن حجم احتياطيات الحقل، فهل هي المثبتة، أو المحتملة، أو الممكنة، وما هو حجم الإيرادات المالية من الغاز للربع الأول من هذا العام؟- ومشاريع الناقل الوطني للمياه، والأمونيا والهيدروجين الأخضر، واستخراج النحاس والذهب، وإصلاح التعليم، والتحول الاقتصادي والإداري، وغيرها. وكأن الرسالة للمجتمع أن نقطة التحول الكبرى لتصحيح الاختلالات المتراكمة قادمة.

لكن السؤال لا يتعلق بجدوى هذه المشاريع فقط، بل بطبيعة العلاقة النفسية والسياسية التي تتشكل عندما يصبح المستقبل أداة لإدارة الحاضر. فالدول قد تؤجل بلوغ الأزمة ذروتها ليس عبر الحلول الفعلية، بل عبر ضخ الأمل المؤجل باستمرار، ليتحول المستقبل إلى "رصيد سياسي" يُستخدم لشراء الوقت وتهدئة القلق العام.

وتصبح الإشكالية أخطر إذا لم تتحقق هذه الوعود، أو تحققت جزئياً دون الأثر المعلن، كما حدث مع وعود استثمارية كبرى -بالمليارات- قبل حوالي عقد من الزمن، دون نتائج ملموسة. وعندها يكون السؤال: ماذا يحدث لمجتمع تم تحميله طويلاً وعوداً باعتبارها نقطة الخلاص -الخروج من عنق الزجاجة، كما في السابق- ثم اكتشف أن الزمن مرّ بينما بقيت الأزمات البنيوية على حالها، بل ازدادت تعقيداً -وما زال في الزجاجة؟

إن أخطر ما قد تواجهه الدول ليس الفشل الاقتصادي وحده، بل تآكل الثقة العامة. فعندما تتكرر الوعود دون نتائج، يبدأ المجتمع بفقدان ثقته بالمشاريع وباللغة الرسمية نفسها، وبقدرة المؤسسات على الوفاء بتعهداتها، لتتحول الفجوة بين الخطاب والواقع إلى أزمة سياسية واجتماعية ونفسية عميقة.وهنا يظهر السؤال: إذا وصلنا عام 2029 ولم تتحقق بعض هذه الوعود، فهل سنجد منظومة حقيقية للمساءلة؟ وهل توجد آليات واضحة لمحاسبة من خطط ووعد وأدار وأخطأ في التقدير؟ أم أن الزمن سيبتلع كل شيء -كما حصل في السابق- لتبدأ دورة جديدة من الوعود المؤجلة لموعد آخر؟

فالدول لا تُقاس بقدرتها على إطلاق المشاريع، بل بقدرتها على بناء ثقافة مؤسية تقوم على الشفافية والتقييم وربط القرار بالمسؤولية. فأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الخطط الكبرى من أدوات بناء استراتيجي إلى أدوات لتأجيل المواجهة مع الواقع.

أما التعليم، فهو الجبهة الأخطر على المدى البعيد. فتراجع جودته لا يظهر فوراً، لكنه يعيد تشكيل المجتمع بالكامل بعد سنوات. فالدول لا تُبنى بالبنية التحتية وحدها، بل ببنية الإنسان نفسه.

ومن هنا تصبح الأسئلة أكثر إيلاماً: ماذا يعني تراجع التفكير النقدي والإبداعي؟ وماذا يحدث عندما تصبح الشهادة أعلى قيمة من المعرفة؟ وكيف ستنافس الأجيال القادمة في اقتصاد قائم على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي دون امتلاك المهارات اللازمة؟ وهل ما تزال بعض المؤسسات التعليمية، ومجتمعها، وبعض قياداتها، قادرة على تقديم نموذج يواكب المستقبل ويحافظ على الوظيفة الحضارية والتنموية للتعليم، ويحقق الرؤى الملكية؟

وفي المقابل، تواجه الإدارة العامة تحدياً وجودياً لا يقل خطورة. فأزمات الدول لا تنبع دائماً من قلة الموارد، بل كثيراً ما تكون نتيجة ضعف الإدارة، وتباطؤ القرار، وغياب الكفاءة، وتضخم البيروقراطية، وهو الأمر الذي حذر منه الملك.وهنا لا يعود السؤال إدارياً فقط، بل سيادياً أيضاً: هل تستطيع مؤسسات الدولة الانتقال من عقلية إدارة الأزمة إلى عقلية صناعة المستقبل؟ وهل ما يزال الجهاز الإداري قادراً على جذب الكفاءات، واتخاذ قرارات فعالة، وبناء سياسات طويلة الأمد، واستعادة ثقة المواطن؟

وفي قلب هذه الأزمة يبرز سؤال حساس: هل أصبحت بعض المؤسسات تميل، بوعي أو دون وعي، إلى استنزاف طاقتها في إدارة الأصوات العالية بدلاً من الاستثمار في الكفاءات الهادئة المنتجة؟

ففي كثير من الأحيان، يجد أصحاب الخبرة والانضباط أنفسهم على هامش المشهد، بينما تحظى بعض الشخصيات الضعيفة، والأكثر صخباً أو قدرة على خلق الضغط والمناكفة، بمساحات أوسع من الاحتواء وإعادة التدوير السياسي والإداري. وهذا يلامس منشور الكاتب ماهر أبو طير على منصة ميتا، 15/5/2026، واقتبس: "صنع الكبار هذه البلاد ونتفرج اليوم على الصغار وهم يديرون بعض شؤونها وفقاً لمقاساتهم".

ومن هنا يبرز سؤال مقلق: هل تحولت بعض آليات الإدارة العامة إلى استخدام سياسة احتواء المزعجين أكثر من تمكين المنتجين؟ وهل أصبحت الكفاءة الصامتة أقل جاذبية من المعارضة الصاخبة في حسابات بعض مراكز القرار؟الأخطر أن مثل هذا النمط يخلق بيئة طاردة للكفاءات، إذ يشعر الإنسان المنتج أن الجهد وحده لا يكفي، وأن الصعود لا يرتبط دائماً بالإنتاجية أو النزاهة المهنية. وهنا يبرز سؤال بالغ العمق: هل تخسر الدولة أفضل عقولها ليس بسبب الهجرة الاقتصادية فقط، بل بسبب الإحساس المعنوي بعدم الجدوى؟

وفي سياق آخر، تبرز تساؤلات حول تجذر شبكات المصالح وأنماط التفكير المرتبطة بها، وما إذا كانت بعض البنى الإدارية تفضّل الشخص القابل للاحتواء على الشخص القادر على التغيير، أو تخشى الكفاءات المستقلة فكرياً لأنها أكثر قدرة على كشف الخلل وأقل قابلية للتكيّف مع البيروقراطية التقليدية.

ثم يظهر التشبيه الأكثر قسوة: هل تتعامل مؤسسات الدولة مع البعض كما لو أنه مشروع استصلاح أراضٍ؟ فتنفق على الأرض الصعبة، المتمثلة بالأصوات المزعجة والمناكفة، بينما تُترك الأرض الخصبة، أي الكفاءات الوطنية المنتجة، باعتبارها مضمونة الولاء والعطاء، ولا يُخشى ارتدادها مهما تم تهميشها؟ لكن الخوف أن تصل إلى حالة اللامبالاة.

والسؤال الأخطر يبقى: ماذا يحدث للدولة عندما تشعر الفئات الأكثر تعليماً وقدرة وكفاءة بأنها الأقل تمثيلاً والأضعف تأثيراً؟ وهل يمكن لأي دولة أن تبني اقتصاد معرفة أو إدارة متقدمة إذا أصبحت الرسالة الضمنية تقول إن الهدوء لا يُرى، والكفاءة لا تكفي، والضجيج أكثر ربحاً؟

فالدول لا تُستنزف مالياً فقط، بل أيضاً عبر هجرة الثقة والمعنى والإحساس بالعدالة المهنية. وربما يكون سؤال المرحلة المقبلة: هل يمتلك الأردن القدرة على إعادة بناء فلسفة إدارية تعيد الاعتبار للكفاءة والجدارة والإنتاج الحقي قبل أن تتحول خسارة العقول إلى نزيف بنيوي طويل الأمد؟

ثم تأتي التحولات المجتمعية العميقة، وهي الأكثر تعقيداً لأن آثارها لم تظهر كاملة بعد. فالأردن يشهد تغيراً سريعاً في منظومة القيم، وطبيعة العلاقات الاجتماعية، وأنماط الاستهلاك، وتوقعات الشباب، ودور العائلة، وتأثير الفضاء الرقمي.

وهنا تبرز أسئلة شديدة الحساسية: هل سيتغير شكل الهوية الوطنية؟ وهل تستطيع مؤسسات الدولة إنتاج عقد اجتماعي جديد ينسجم مع الجيل الرقمي؟ وماذا يحدث عندما تتسع الفجوة بين الإدارة العامة ومجتمع يتغير بسرعة؟ في منطقة دخلت مرحلة إعادة تشكيل كبرى؛ فخرائط النفوذ تتغير، والاقتصاد العالمي يعاد بناؤه حول التكنولوجيا والطاقة والمعادن النادرة والمياه وطرق التجارة.

وفي هذا السياق، يصبح السؤال الإستراتيجي: أين سيكون موقع الأردن في الشرق الأوسط القادم؟ هل سيكون دولة عبور إستراتيجية؟ أم مركزاً لوجستياً؟ أم نموذج استقرار إقليمي؟ أم دولة مثقلة بالأزمات تحاول الحفاظ على ما هي عليه منعاً للتراجع؟ومع ذلك، فإن مستقبل الأردن ليس قدراً مغلقاً، شريطة العمل بإخلاص لتحقيق الرؤى الملكية الاستشرافية. فالدول الصغيرة قد تتحول إلى قوى مؤثرة إذا امتلكت إستراتيجية واضحة، وإدارة كفؤة، وتعليماً حديثاً عالي الجودة، ومشروعاً وطنياً جامعاً. والتاريخ مليء بدول فقيرة بالموارد نجحت لأنها استثمرت في الإنسان والمؤسسات والمعرفة.

لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يواجهه الأردن اليوم ليس فقط: كيف نمنع الأزمة؟ بل: كيف نحول هذه اللحظة التاريخية الضاغطة إلى نقطة إعادة تأسيس وطنية شاملة؟ وهل يستطيع الأردن أن ينتقل من دولة تدير الندرة إلى دولة تصنع القدرة؟

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ