ليست هذه المرة الأولى التي يطلق فيها نائب أو مسؤول تصريحات حول قضايا فساد، فالقضية تتكرر بين فترة وأخرى، والشارع سرعان ما يحولها إلى مطالبات بكشفها وفضحها والتحقيق فيها، لكن للأسف سرعان ما تختفي هذه الموجة بعد أيام قليلة، سواء من الشارع أو من المسؤولين أنفسهم الذين أطلقوها.
الكل يتذكر، قبل سنوات قليلة، عندما كتب أحد النواب "الأكاديميين" - وأنا أقصد هذا الوصف بعينه لأهمية حامله في نقل المعلومة وطرحها ثم نقاشها- منشورًا على صفحته في "فيسبوك" قال فيه إن مجموع الأموال المنهوبة من برنامج التخاصية الأردني يتجاوز 65 مليار دينار، علمًا أن كل عوائد التخاصية التي دخلت الخزينة من جميع المشاريع التي جرى تخصيصها لم تتجاوز 2.4 مليار دينار.المهم ليس المنشور الذي طرحه النائب "العاقل"، لكن كانت المصيبة في التعليقات التي وصفت المنشور بأنه ناقص وبعيد عن الحقيقة، أحدهم كتب أن خصخصة شركة واحدة تجاوزت قيمة السرقة فيها 80 مليارًا، وأخرى وصلت قيمتها الحقيقية إلى 90 مليارًا، وهكذا على باقي أسهم الشركات، ليجد سعادة النائب نفسه بأنه "أعقل المجانين".قبل أسابيع قليلة أيضًا، قام رجل أعمال، عبر منشور له على وسائل التواصل الاجتماعي، باتهام وزراء في الحكومة بتعطيل مشاريعه مقابل تعيين أبنائهم لديه، وبعد التحقق ولقائه بكبار المسؤولين، تبين أن الموضوع لا يخرج عن كونه مشاغبة للحصول على بعض الموافقات الاستثنائية في التراخيص، والضغط على الحكومة للتكسب بشكل مخالف للقانون، لا أكثر، وبعدها اختفى المنشور والحديث عنه من جميع الجهات التي اهتمت به وتفاعلت معه.قبل أيام قليلة، خرج علينا نائب حالي بتصريحات نارية من العيار الثقيل عن وجود فساد بقيمة مليار دينار حصل عليها 9 وزراء، وعطايا بمئات الآلاف، وأراضٍ حصل عليها مسؤولون في الحكومات.ونائب سابق يتحدث عن عروض انهالت عليه لتولي إحدى اللجان النيابية مقابل الحصول على منافع بعشرات الملايين، وغيرها من القصص والمواضيع التي تستفز مشاعر المواطنين، وتزيدهم حقدًا ونقمة، وتولد مزيدًا من خطاب الكراهية.أمام هذه الظاهرة، فإن الحكومة، من خلال أجهزتها المعنية، مطالبة بشرح وافٍ للرأي العام حول ما يتم تداوله، وبكل شفافية، من أجل إغلاق مهني لهذه الملفات وقطع الطريق على الإشاعات.الجهات الرسمية أمام خيارين لا ثالث لهما في مواجهة قضايا الفساد التي تُطلق بين الحين والآخر على صفحات التواصل الاجتماعي، وتأخذ منحى خطيرًا في النقاش بين متداولي تلك المنشورات بعد التحقيق الرسمي فيما يتم تداوله، وهما كالتالي:أولًا: إما أن تكون هذه الادعاءات صحيحة، وهي قضايا حصلت على أرض الواقع، وبالتالي فإن واجب الحكومة، بعد التحقق منها، استكمال الإجراءات القانونية، واسترداد الأموال، ومحاكمة الفاسدين من جميع الجهات، سواء كانوا نوابًا أو وزراء أو إعلاميين أو غير ذلك، فلا أحد فوق القانون، والاعتداء على المال العام جريمة لا يمكن السكوت عنها.ثانيًا: وهو الخيار الآخر أمام الحكومة، في حال التحقق من تلك المنشورات واكتشاف أنها إشاعات تُبث بين فترة وأخرى لتحقيق مكاسب شخصية لمطلقيها، والضغط على الجهات الرسمية للتكسب والصعود، فإن الأمر يتطلب أيضًا حزمًا رسميًا واضحًا تجاه أصحاب تلك الإشاعات، من خلال محاسبتهم قانونيًا، واتخاذ أقصى درجات العقوبات بحقهم بسبب إطلاق أخبار كاذبة تزعزع أمن الدولة، وتساهم في خلق مزيد من فجوات عدم الثقة في الشارع تجاه مؤسساته الرسمية.وهذا الأمر يتطلب موقفًا واضحًا من الحكومة بالكشف عن الحقيقة أمام الرأي العام، وفضح كل من يستغل وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق منافع شخصية، وفضحهم أمام المجتمع، وإيقاع أقسى العقوبات بحق كل من تسول له نفسه التلاعب بالأمن الاجتماعي والاقتصادي للدولة.الدول، ومن خلال مؤسساتها، مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتحقيق سيادة القانون بصورتها الراقية، والتدخل بفاعلية تجاه الحملات التي تُبث على صفحات التواصل الاجتماعي، سواء بالكشف عن قضايا الفساد أو من خلال وقف وتيرة الإشاعات التي تُطلق بين الحين والآخر، فإما أن نكون دولة قانون، أو أن نبقى دولة رعوية ومؤسسات خاضعة للابتزاز بكافة أشكاله.تصريحات النائب ورجل الأعمال.. ماذا بعد
مدار الساعة (الغد) ـ