أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

بعملية سرية.. شحن صناديق تحوي أرشيفاً بالغ الحساسية إلى عمّان

مدار الساعة,أخبار الأردن,اخبار الاردن,أونروا,قطاع غزة
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كشفت صحيفة الغارديان البريطانية تفاصيل عملية سرية نفذتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" على مدى نحو عشرة أشهر، لإنقاذ ملايين الوثائق الأرشيفية التي توثق تاريخ اللجوء الفلسطيني منذ نكبة عام 1948، ونقلها من قطاع غزة والقدس المحتلة إلى العاصمة الأردنية عمّان، خشية مصادرتها أو إتلافها من قبل كيان الاحتلال.

وأوضحت الصحيفة في تقريرلها أن العملية شارك فيها عشرات من موظفي "أونروا" في أربع دول على الأقل، وشملت نقل وثائق من مناطق تتعرض للقصف في قطاع غزة، وإخراج مظاريف غير معلّمة إلى مصر، ثم شحن صناديق تحتوي على أرشيف بالغ الحساسية إلى عمّان.

وتضم الوثائق، بحسب التقرير، بطاقات التسجيل الأصلية للاجئين الفلسطينيين الذين لجأوا إلى قطاع غزة عام 1948، إضافة إلى شهادات ميلاد وزواج ووفاة تعود لأجيال متعاقبة، وهي سجلات تتيح للاجئين وأحفادهم تتبع أصول عائلاتهم في المدن والقرى التي هُجّروا منها داخل فلسطين المحتلة.

وقال المسؤول البارز في "أونروا" والمشرف على العملية، روجر هيرن، إن تدمير هذه الوثائق كان سيشكل "كارثة"، لأنها تمثل الدليل الوحيد الذي يمكن للفلسطينيين استخدامه مستقبلًا لإثبات وجودهم التاريخي في أماكنهم الأصلية، في حال جرى التوصل إلى حل عادل ودائم للصراع.

وتبرز أهمية هذا الأرشيف من كونه لا يوثق بيانات إدارية فقط، بل يحمل شهادات عن كيفية تهجير الفلسطينيين عام 1948، وأماكن سكنهم، وممتلكاتهم، وما دُمر من قراهم ومدنهم. ونقلت الصحيفة عن أستاذ دراسات الشرق الأوسط في معهد العلوم السياسية بباريس، جان بيير فيليو، قوله إن هذه الوثائق "محورية في التجربة الفلسطينية"، مشيرًا إلى أن نحو 200 ألف فلسطيني وصلوا إلى غزة بين عامي 1948 و1949 قادمين من مختلف أنحاء فلسطين.

وبدأت المرحلة الأخطر من العملية بعد أيام من اجتياح قوات الاحتلال لقطاع غزة، حين أصدرت أوامر بإخلاء مكاتب "أونروا" في مدينة غزة. وغادر الموظفون الدوليون الموقع خلال ساعات، من دون القدرة على نقل الأرشيف، ما أثار مخاوف جدية من اقتحام المكان أو تدميره بفعل القصف أو الحريق.

وقال المدير بالإنابة لشؤون "أونروا" في غزة، سام روز، إن الخطر كان حقيقيًا بأن تدخل قوات الاحتلال إلى المواقع وتدمر الوثائق، أو أن تتعرض للتلف في انفجار أو حريق، خصوصًا مع تزايد المخاوف من فقدان النسخ الورقية والرقمية معًا.

وتزامنت هذه المخاطر مع تعرض أنظمة "أونروا" الرقمية لهجمات إلكترونية متكررة، ما زاد خشية الوكالة من ضياع الأرشيف بشكل كامل. وأشار هيرن إلى أن الوكالة مرت بفترة بالغة الخطورة، كانت تتعرض خلالها لهجمات سيبرانية يومية، في وقت كانت فيه النسخ الأصلية مهددة بالتدمير.

ورغم القصف المتواصل، عاد فريق صغير من موظفي "أونروا" إلى مجمع الوكالة في مدينة غزة باستخدام شاحنات مستأجرة، ونفذ ثلاث رحلات لنقل الوثائق جنوبًا إلى مستودع أغذية في رفح، قرب الحدود مع مصر.

لكن إخراج الأرشيف من القطاع واجه عقبة جديدة، إذ رفضت القاهرة السماح بمروره من دون التشاور مع كيان الاحتلال. وخشي مسؤولو "أونروا" أن تدرك سلطات الاحتلال أهمية الوثائق فورًا، فتعمل على مصادرتها أو منع خروجها، خاصة في ظل سوابق تاريخية، بينها استيلاء قوات الاحتلال على أرشيف منظمة التحرير الفلسطينية عقب اجتياح بيروت عام 1982.

وأمام هذه المخاوف، تولى موظفون في "أونروا" يحملون جوازات سفر دولية مهمة إخراج أجزاء من الأرشيف بعيدًا عن الأنظار. ونقلت الصحيفة عن روز قوله إن الموظفين كانوا يجيبون عند نقاط التفتيش بأنهم يحملون "أوراقًا"، في وقت كانت فيه كميات كبيرة من الوثائق تنتقل تدريجيًا إلى خارج القطاع.

وعلى مدى ستة أشهر، جُمعت الوثائق في مصر، قبل أن تنقلها جمعية خيرية أردنية إلى عمّان، خلال رحلات عودتها بعد إيصال مساعدات إلى قطاع غزة. وخرجت الشحنة الأخيرة قبل أسبوعين فقط من تقدم دبابات قوات الاحتلال نحو رفح في أيار/ مايو 2024، ما أدى لاحقًا إلى إغلاق الطريق بشكل كامل.

وفي القدس المحتلة، كانت مجموعة أخرى من الوثائق محفوظة داخل مجمع "أونروا" تواجه خطرًا مشابهًا. فقد تحول المجمع منذ مطلع عام 2024 إلى هدف لحملات تحريض واحتجاجات وهجمات حرق متعمد، بالتزامن مع تصاعد الحملة التي يقودها كيان الاحتلال ضد الوكالة ومحاولات طردها من المدينة.

وبعد فشل محاولات إقناع بعثات دبلوماسية صديقة بتخزين الأرشيف داخل مقارها، نقل موظفو "أونروا" الوثائق سرًا وعلى مراحل إلى مكاتب الوكالة في الأردن، قبل دخول قوانين جديدة لكيان الاحتلال حيز التنفيذ في كانون الثاني/ يناير 2025، تمنع عمل الوكالة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي عمّان، بدأت "أونروا" مرحلة جديدة من العمل على حماية الأرشيف، عبر رقمنة بطاقات تسجيل اللاجئين الأصلية وملايين الوثائق الأخرى يدويًا. ويعمل أكثر من 50 موظفًا، بتمويل أساسي من لوكسمبورغ، داخل قبو ضيق في العاصمة الأردنية لإنجاز هذه المهمة.

ووفق التقرير، جرى حتى الآن رقمنة نحو 30 مليون وثيقة، فيما تسعى "أونروا" إلى تزويد كل لاجئ فلسطيني بشجرة عائلته والوثائق الداعمة لها، إضافة إلى إعداد خرائط توضح أنماط التهجير الفلسطيني عام 1948، في عمل يتوقع أن يستغرق عامين إضافيين.

ويرى باحثون أن أرشيف "أونروا" يمثل سجلًا وطنيًا بالغ الأهمية لشعب لا يملك أرشيفًا موحدًا لدولته، إذ يوثق واحدة من أكثر المحطات حساسية في التاريخ الفلسطيني الحديث، ويمنح اللاجئين مادة تاريخية وقانونية تدعم روايتهم وحقهم في العودة.

وتكشف العملية، بما رافقها من مخاطر وسرية وتنقل بين غزة ومصر والأردن والقدس، أن حماية ذاكرة اللاجئين الفلسطينيين لم تعد مسألة أرشيفية فحسب، بل معركة على الرواية والحق التاريخي، في ظل محاولات كيان الاحتلال استهداف "أونروا" ودورها وشطب قضية اللاجئين من جذورها.


مدار الساعة ـ