حدَّثنا أبي، قال:
دخلتُ القدسَ عندَ انكسارِ المساءِ، وقد كانتِ السماءُ فوقَها تشبهُ مصحفًا مفتوحًا على سورةٍ من الخشوعِ والهيبة.وكانتِ الحجارةُ العتيقةُ تتنفَّسُ كأنَّها صدورُ الأنبياءِ، فيما القبابُ تشتعلُ ذهبًا تحتَ آخرِ خيوطِ الشمس، حتى خُيِّلَ إليَّ أنَّ الضوءَ نفسَهُ يُصلِّي هناك.ورأيتُ المدينةَ تمشي ببطءٍ كشيخٍ يحملُ ذاكرةَ القرون؛ الأزقَّةُ تحفظُ خُطا الأنبياءِ، والجدرانُ تُخفي في شقوقِها دموعَ المصلِّين، والمآذنُ ترفعُ الدعاءَ كأنَّها أصابعُ نورٍ تحاولُ أنْ تمنعَ السماءَ من السقوط.وكانَ الناسُ فيها بينَ ساجدٍ وصابرٍ وباكٍ، حتى أدركتُ أنَّ القدسَ ليستْ مدينةً من حجر، بل قلبٌ خُلِقَ من الصلاةِ والوجعِ والصمود.فدنوتُ من شيخٍ كانَ يجلسُ عندَ بابِ المسجدِ الأقصى، يلفُّهُ صمتٌ مهيب، كأنَّهُ واحدٌ من حرَّاسِ التاريخ. وكانتْ عيناهُ عميقتينِ كليلِ الصحراءِ، وفيهما تعبُ أمَّةٍ كاملة.فقلتُ:يا شيخُ، ما بالُ هذهِ المدينةِ لا تشبهُ المدن، ولا تُشبهُها المدن؟فابتسمَ ابتسامةً حزينة، وقال:يا بُنيَّ، لأنَّ القدسَ ليستْ مكانًا يُقاسُ بالمسافات، بل معنىً يُقاسُ بالكرامة. هي المدينةُ التي إذا ضاعتْ من قلبِ الأمَّةِ، ضاعَ شيءٌ من روحِها إلى الأبد.ثمَّ سكتَ قليلًا، كأنَّهُ يُصغي إلى خُطا الغابرين، وقال:أتدري لماذا بقيَ الهاشميُّونَ أوفياءَ للقدسِ، بينما بدَّلَ كثيرونَ وجوهَهم ومواقفَهم كما تُبدَّلُ الأقنعة؟قلتُ: لا.فقال:لأنَّ الرجلَ إذا خرجَ من بيتٍ مرَّتْ فيهِ النبوَّة، عرفَ أنَّ القدسَ ليستْ ملفًّا سياسيًّا يُفتحُ على موائدِ التفاوض ويُغلقُ عندَ التعب، بل أمانةٌ تُحمَلُ كما يُحمَلُ المصحفُ في زمنِ الفتن.ثمَّ نهضَ قليلًا، وأسندَ ظهرَهُ إلى جدارٍ عتيق، وقال:حينَ خرجَ الشريفُ الحسين بن علي من مكةَ، لم يكنْ يحملُ بندقيَّةَ ثائرٍ فقط، بل كانَ يحملُ خوفَ أمَّةٍ على مقدساتِها، وقلقَ التاريخِ على آخرِ ما تبقَّى من كرامةِ العرب.وكانَ يعلمُ أنَّ القدسَ إذا سقطتْ من الوعي، فلنْ تُنقذَها الجيوشُ، ولو امتلأتِ الأرضُ بالسيوف.فكانتِ الثورةُ العربيَّةُ الكبرى محاولةً لإنقاذِ المعنى قبلَ الأرض، والإنسانِ قبلَ العروش، والكرامةِ قبلَ السياسة.ثمَّ جاءَ عبدالله الأول بن الحسين، فدخلَ القدسَ عاشقًا لإرثِ الأنبياءِ، وفاتحًا لبابِ نهضةِ الأمَّة، يحملُ في قلبِهِ يقينَ المؤمنين، وفي خطاهُ هيبةَ مَن أدركَ أنَّ المدنَ المقدَّسةَ لا تُصانُ بالسيوفِ وحدَها، بل بالشرفِ والوفاءِ والعهد.كانَ يعرفُ أنَّ المدنَ المقدَّسةَ لا تُحكَمُ بالقوةِ وحدَها، بل بالمحبَّةِ والهيبةِ والوفاءِ. وكانَ كلَّما سارَ في ساحاتِ الأقصى، بدا كأنَّهُ لا يمشي فوقَ الحجر، بل فوقَ ذاكرةِ الأمَّةِ كلِّها.ثمَّ اقتربَ الشيخُ منِّي، وخفضَ صوتَهُ حتى صارَ أشبهَ بالبكاءِ، وقال:وفي صباحٍ حزين، سالَ الدمُ الهاشميُّ على عتباتِ المسجدِ الأقصى، فسقطَ الملكُ شهيدًا، لكنَّ القدسَ منذُ تلكَ اللحظةِ لم تعدْ مدينةً فقط، بل صارتْ قرابةَ دمٍ بينَ الهاشميِّينَ والمقدسات.ومنذُ امتزجَ الدمُ الهاشميُّ بعتباتِ المسجدِ الأقصى، صارَ التفريطُ بالقدسِ خيانةً للتاريخِ والرُّوحِ معًا.ثمَّ رفعَ الشيخُ بصرَهُ نحوَ القبَّةِ الذهبيَّة، وقال:وجاءَ الحسين بن طلال، وكانَ يعرفُ أنَّ الهزائمَ قد تُسقطُ جيوشًا، لكنَّها لا تُسقطُ المعاني إذا بقيَ في الأمَّةِ رجالٌ يحرسونَ الحلم.فحملَ القدسَ في قلبِهِ كما يحملُ المؤمنُ صلاتَه، وظلَّ الأردنُّ، رغمَ التعبِ والحروبِ والخذلان، واقفًا عندَ أبوابِ المدينةِ كحارسٍ نذرَ عمرَهُ ألَّا تسقطَ القدسُ من ضميرِ الأمَّة.ثمَّ تنهدَ الشيخُ طويلًا، وقال:أمَّا اليوم، فإنَّ الملك عبدالله الثاني ابن الحسين يمشي في زمنٍ كثُرَ فيهِ الباعةُ، وقلَّ فيهِ الحُرَّاس.زمنٍ صارَ فيهِ بعضُ الناسِ يبيعونَ أوطانَهم بثمنِ العبور، ويستبدلونَ تاريخَهم بمقعدٍ عابرٍ على موائدِ السياسة، ثمَّ يُشهِرونَ ألسنتَهم في وجهِ مَن حملوا القدسَ وفلسطينَ على أكتافِ الوفاءِ يومَ خفَّ الحاملون.لكنَّ الأردنَّ بقيَ واقفًا عندَ بابِ القدس، كآخرِ الفرسانِ الذينَ يعرفونَ أنَّ المدينةَ لا يحرسُها صخبُ الخُطَب، بل ثباتُ المؤمنينَ بالعهد؛ ولا يُنقذُها الخطباءُ، بل الرجالُ الذينَ يحملونَها في ضمائرِهم كما تُحمَلُ العقيدةُ.ثمَّ قبضَ الشيخُ على حفنةِ ترابٍ من الأرض، وقال:يا بُنيَّ، إنَّ الهاشميِّينَ لا ينظرونَ إلى القدسِ بوصفِها مدينةً تُزار، بل عهدًا يُحمَل. هي في عيونِهم صلاةُ الأمَّة، وذاكرتُها، وجرحُها الذي لا يلتئم.وهم يعرفونَ أنَّ الأممَ قد تعيشُ بلا مال، وبلا قوَّة، وبلا جيوشٍ عظيمة، لكنَّها إذا فقدتْ القدسَ من وجدانِها، فقدتْ آخرَ ما يُبقيها أمَّة.ثمَّ مضى الشيخُ بينَ الأزقَّةِ العتيقة، كأنَّهُ خارجٌ من كتابٍ قديمٍ نجا من الحريق، وبقيتُ وحدي أحدِّقُ في القبَّةِ الذهبيَّةِ وهي تشعُّ فوقَ المدينةِ كأنَّها قلبُ السماءِ نفسها.وعندها فقط، فهمتُ أنَّ القدسَ في عيونِ الهاشميِّينَ ليستْ مدينةً تحتَ الاحتلال، بل معنىً فوقَ الزمن، ووعدًا لا يشيخ، وصلاةً عربيَّةً طويلةً ما تزالُ تُرفَعُ من الأرضِ إلى السماء.المساعدة يكتب: المقامةُ الهاشميَّةُ المقدسيَّة.. مقامةُ المدينةِ التي تُصلِّي في عيونِ الهاشميِّين
جهاد المساعدة
المساعدة يكتب: المقامةُ الهاشميَّةُ المقدسيَّة.. مقامةُ المدينةِ التي تُصلِّي في عيونِ الهاشميِّين
مدار الساعة ـ