مدار الساعة -قالت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، إن الولايات المتحدة تبدو في موقف ضعيف خلال المفاوضات التجارية مع الصين، بعد أن تراجعت واشنطن عن تهديداتها الجمركية القاسية إثر استخدام بكين لسلاح المعادن الأرضية النادرة.
وأوضحت المجلة أنه رغم هذا التراجع التكتيكي، إلا أن الأرقام والتحليلات الاقتصادية تؤكد أن واشنطن وحلفاءها يمتلكون اليد العليا في أي صراع اقتصادي شامل، مشيرة إلى أن بكين لا تستطيع تحمل تكلفة تصعيد صراعها الاقتصادي مع الولايات المتحدة على المدى الطويل.وبحسب "فورين بوليسي"، بدأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مواجهتها مع بكين بفرض رسوم جمركية بلغت 145% في أبريل (نيسان) 2025، بهدف إجبار الصين على تقديم تنازلات تتعلق بالوصول إلى الأسواق وخفض العجز التجاري، لكن بكين ردت بقوة عبر فرض حواجز جمركية مماثلة، واستغلت هيمنتها الساحقة على إنتاج المعادن الأرضية النادرة لقطع إمدادات هذه المدخلات الصناعية الحيوية، مما هدد الإنتاج الأمريكي في قطاعات تتراوح من السيارات إلى الطائرات والأسلحة. ووفقاً للمجلة، دفع هذا الرد واشنطن للتراجع، لتدخل في مناقشات تجارية في 14 مايو (أيار) بحثاً عن تمديد إرجاء قيود التصدير الصينية، مقابل تقديم تنازلات محتملة تتعلق بتكنولوجيا التصدير، أو حتى تخفيف الدعم الأمريكي لتايوان.انقسام عالمي وتفوق أمريكيوأشارت المجلة إلى ما يطرحه الخبير الاقتصادي نيل شيرينغ في كتابه "عصر التصدع"، من أن الاقتصاد العالمي ينقسم تدريجياً إلى كتلتين، واحدة بقيادة الولايات المتحدة وأخرى بقيادة الصين، ورغم أن المواجهة الأخيرة توحي بتفوق صيني، إلا أن كتاب "قيادة التجارة" للمسؤول السابق بوزارة الخزانة الأمريكية بن فاجل، والأستاذ بجامعة دارتموث ستيفن بروكس، يجادل بأن الولايات المتحدة تمتلك الأوراق الرابحة. وتشير المجلة إلى أن الشركات الأكثر أهمية وربحية وتطوراً في العالم تتركز داخل الكتلة الغربية، بينما تعتمد آلة التصدير الصينية على استثمارات هذه الشركات، ووفقاً للباحثين، فإن أي انفصال مفاجئ وشامل بين الصين والغرب سيضر بالاقتصاد الصيني على المدى القصير بنسبة تتراوح بين 5 إلى 11 ضعف الضرر الذي سيلحق بالولايات المتحدة.
وتتساءل المجلة عن سبب تراجع الولايات المتحدة رغم تفوقها، موضحة أن الصين وجدت سلاحاً غير متكافئ ومثالياً يتمثل في قيود المعادن النادرة، والذي يكلف اقتصادها القليل بينما يلحق أضراراً جسيمة بالصناعة الأمريكية، وبالإضافة إلى ذلك، خاضت الإدارة الأمريكية حربها الاقتصادية باستخدام الرسوم الجمركية الأحادية، مما أدى إلى نفور الحلفاء بدلاً من تشكيل جبهة موحدة.وتضيف المجلة أن الكتلة التي تقودها الولايات المتحدة، والتي تشمل أوروبا واليابان والهند ودولاً أخرى، تتفوق بشكل ساحق، حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للكتلة الأمريكية أكثر من 2.5 ضعف ناتج الكتلة الصينية، كما أن التنوع الاقتصادي داخل الكتلة الأمريكية يمنحها قوة إضافية لإنشاء نظام اقتصادي موازٍ، في حين تظل الكتلة الصينية معتمدة بشكل كبير على بكين.أرقام مبالغ فيها وهيمنة غربيةولفتت المجلة إلى أن التحليلات الاقتصادية التقليدية تبالغ في تقدير قدرات الصين، وتشير تقديرات مجموعة "روديوم" للأبحاث إلى أن النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي للصين في عام 2025 تراوح بين 2.5% و3%، مقارنة بـ5.2% المعلنة رسمياً، كما أشار باحثون إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للصين مبالغ فيه بنحو الثلث.علاوة على ذلك، تهيمن الشركات الغربية على حصة الأرباح العالمية، حيث تحقق الشركات الأمريكية والحليفة 38% و35% من الأرباح العالمية على التوالي، مقارنة بـ16% فقط للصين وهونغ كونغ معاً، وفي الصناعات عالية التكنولوجيا، تبلغ حصة الولايات المتحدة وحلفائها مجتمعين 83.8%، بينما تبلغ حصة الصين 6.1% فقط. ورغم تقدم شركات صينية مثل "هواوي" و"بي واي دي"، إلا أن نحو 60% من التصنيع ذي القيمة المضافة في الصين لا يزال يتركز في مجالات منخفضة التكنولوجيا مثل المعادن والبلاستيك والألعاب.الحاجة إلى تحالف اقتصادي أمنيوتختتم "فورين بوليسي" تحليلها بالتأكيد على أن الولايات المتحدة تمتلك فرصة للتعلم من أخطائها، مضيفة أنه إذا كانت واشنطن جادة في استعادة الردع الاقتصادي، فيجب عليها أن تكون مستعدة لتحمل بعض التكاليف الاقتصادية قصيرة الأجل، والأهم من ذلك هو تشكيل تحالف أمني اقتصادي مع شركائها الغربيين للتخطيط المشترك للتحركات المضادة، مما يضمن هيمنة الولايات المتحدة على التصعيد الاقتصادي ضد الصين، طالما أنها لا تبدد تفوقها بتدمير تحالفاتها.










