هناك فرقٌ كبير بين رجلٍ يحمل همّ الوطن بصدق، وبين شخصٍ لم يتذكر الوطن إلا بعد أن غادر الكرسي وانطفأت حوله الأضواء.
فالوطنية ليست خطابًا موسميًا، ولا موجة غضب مؤقتة، ولا وسيلةً للعودة إلى المشهد، بل موقفٌ ثابت لا يتبدل بتبدل المصالح والمناصب.من المؤلم حقًا أن نرى بعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة داخل مؤسسات الدولة، يتنقلون بين المناصب والامتيازات والنفوذ، يعيشون في قلب القرار، ويشهدون كل شيء، ثم لا نسمع منهم كلمة واحدة عن فساد أو خلل أو خوف على الوطن.يصمتون حين تكون الكلمة مسؤولية، ويختفون حين يكون الموقف واجبًا، ثم فجأة، وبعد انتهاء مناصبهم أو سقوط فرص عودتهم، يتحولون إلى أصحاب بطولاتٍ إعلامية وخطاباتٍ نارية وحديثٍ متكرر عن الفاسدين وضياع الوطن ومقدرات الدولة.وهنا يحق لنا أن نسأل بكل وضوح:أين كانت هذه الجرأة طوال سنوات السلطة؟وأين كان هذا الحرص على الوطن عندما كانت الأبواب مفتوحة والنفوذ حاضرًا والصلاحيات بأيديهم؟كيف لم يروا شيئًا طوال سنوات خدمتهم، ثم رأوا كل شيء دفعةً واحدة بعد خروجهم من المشهد؟الوطن ليس ساحةً لتصفية الحسابات الشخصية، وليس منصةً يُفرغ فيها البعض غضبهم بعد خسارة المنصب أو انقطاع المصالح.الوطن أكبر من الأشخاص، وأكبر من المناصب، وأكبر من كل من يظن أن الدولة تبدأ به وتنتهي عنده.إن أخطر ما يمكن أن يُمارس بحق الأوطان هو نشر اليأس في نفوس الناس، وتحويل كل إنجاز إلى فشل، وكل خطوة إلى مؤامرة، وكل مؤسسة إلى هدفٍ للتشكيك والطعن.فالكلمة ليست أمرًا بسيطًا، والكلام الذي يُقال أمام الناس يصنع وعيًا، وقد يهدم ثقة أجيال كاملة بوطنها إذا خرج من أفواه شخصيات كانت يومًا في مواقع المسؤولية.نحن لا نقول إن الأوطان كاملة، ولا إن المؤسسات تخلو من الأخطاء، فالكمال لله وحده، لكن الفرق كبير بين النقد المسؤول الذي يُصلح ويحمي الدولة، وبين الخطاب الذي لا يظهر إلا بعد انتهاء المصالح، فيتحول الوطن فيه إلى وسيلة انتقام، وتصبح الوطنية مجرد شعار متأخر.الوطنية الحقيقية تُعرف في وقت القوة لا في وقت الخروج، وتُعرف حين يكون الإنسان قادرًا على قول الحقيقة وهو داخل المسؤولية لا بعدها.أما أن يصمت سنوات طويلة، ثم يتحول فجأة إلى منقذٍ للوطن بعد مغادرته، فهذا يطرح ألف سؤال حول صدق الموقف لا حول حجم المشكلة.هذا الوطن لم يُبنَ بالصراخ، بل بدماء الشهداء وتعب الرجال وعرق المخلصين.الأردن لم يكن يومًا وطنًا هشًا، بل دولةٌ قامت على الحكمة والثبات والعقل، وصمدت في وجه تحدياتٍ كانت كفيلة بإسقاط دولٍ أكبر وأغنى وأقوى.وسيظل هذا الوطن شامخًا بقيادته الهاشمية الحكيمة، وبشعبه الوفي، وبجيشه العربي المصطفوي، وأجهزته الأمنية التي حملت الوطن على أكتافها في أصعب الظروف.أنا شاب أردني، ومثلي آلاف الشباب الذين تعبوا من سماع الخطابات السوداوية واليأس المستمر والتشكيك بكل شيء.نحن لا نريد أوطانًا من الكلام، بل أوطانًا من العمل والإنجاز والأمل.نريد أن نرى الأردن قويًا مزدهرًا، متماسكًا، حاضرًا بين الأمم، وأن يبقى هذا العلم عاليًا لا تهزه حملات الإحباط ولا أصوات المصالح الضيقة.أرجوكم… ألا يكفي؟ألا يكفي هذا الكم من جلد الوطن والتقليل من كل إنجاز وبث الإحباط في نفوس الناس؟إلى متى سيبقى البعض يظن أن الوطنية هي مهاجمة الدولة بعد انتهاء المنصب؟وإلى متى سيبقى الوطن يدفع ثمن صراعات الأشخاص ورغباتهم في العودة إلى المشهد؟الأوطان لا تُحمى بالمزاودات، ولا تُبنى بالصوت المرتفع، ولا تُصان بتشويه صورة الدولة أمام أبنائها.الأوطان يحميها الصادقون، الذين يبقون أوفياء لها في مواقعهم وخارجها، في حضورهم وغيابهم، في قوتهم وضعفهم، لأن الانتماء الحقيقي لا يتغير بتغير الكراسي.سيبقى الأردن وطن العزة والكرامة، وطنًا نحمله في قلوبنا لا في شعاراتنا، وسنبقى نحن الشباب نؤمن أن هذا البلد يستحق أن نمنحه الأمل والوفاء، لا اليأس والضجيج والخصومات الشخصية.الخلايلة يكتب: من عمل للوطن بصدق فليصمت بثقة
مدار الساعة ـ