معان… حين كانت القلوب خيامًا للحجاج
ليست كلُّ المدن تُقاس بعدد أبنيتها ولا تُعرف من خلال الطرق التي تمر بها فبعض المدن تُقاس بمقدار ما تزرعه في أرواح العابرين ، ومعان ليست مدينةً عابرةً في ذاكرة التاريخ بل صفحة عربية قديمة كُتبت بالحكمة والكرم والرجولة حتى صار اسمها مرتبطًا بالحاج قبل أن يصل إلى مكة وكأنها المحطة التي يتزوّد منها القلب قبل الجسد.فمنذ عشرات السنين وأهل معان يفتحون أبوابهم للحجاج لا باعتبارهم ضيوفًا بل باعتبارهم أمانة تمرّ من بين أيديهم نحو الله.في معان لم يكن استقبال الحجاج موسمًا مؤقتًا بل ثقافة متوارثة تسكن البيوت كما تسكن رائحة القهوة العربية جدران المكان ، كان الرجل هناك يشعر أن خدمة الحاج شرف يفوق المكاسب وأن تعب الطريق يهون حين يجد الحاج وجهًا بشوشًا وكلمةً طيبة وماءً باردًا في حرّ الصحراء ، ولهذا بقيت معان، عبر التاريخ، محطة دفء إنساني لا مجرد نقطة عبور.وحين كانت القوافل تشق الصحراء الطويلة، كان أهل معان يترقّبون وصول الحجاج كما يترقّب الإنسان قدوم أحبّته ، تُجهَّز المياه وتُوقد النيران للقهوة والطعام، وتُفتح البيوت دون سؤال عن اسم أو نسب أو جنسية ، كان الحاج هناك يشعر أنه لم يخرج من وطن إلى غربة بل انتقل من أهل إلى أهل. هذه الأخلاق لا تُصنع بالقوانين، بل تولد من عمق التربية العربية الأصيلة.ولأن الصحراء تعرف معنى القسوة، فقد عرف أهل معان معنى الرحمة ، فمن عاش قرب العطش يدرك قيمة قطرة الماء، ومن خبر تعب السفر يعرف كيف يكون سندًا للمتعبين لذلك لم تكن خدمتهم للحجاج مجرد واجب اجتماعي بل انعكاسًا لفلسفة عميقة ترى أن الإنسان الحقيقي هو الذي يخفف عن الآخرين ثقل الطريق.وفي تاريخ الحج الطويل بقيت معان شاهدة على آلاف القصص الإنسانية قصص رجال اقتسموا الماء مع الغريب ونساء أعددن الطعام للحجاج وكأنهم أبناء البيت، وشباب وقفوا في الطرقات يساعدون القوافل بلا انتظار مقابل .إنها أخلاق البادية حين تمتزج بالإيمان، فيتحول الكرم إلى شكل من أشكال العبادة الصامتة.ولعل أجمل ما في أهل معان أنهم لم يتعاملوا مع الحاج بوصفه مسافرًا عاديًا، بل بوصفه إنسانًا خرج بقلبه قبل جسده قاصدًا بيت الله ، لذلك كانوا يرون في خدمته قُربة، وفي دعائه بركة، وفي ابتسامته مكافأة تكفيهم. ولهذا ظل اسم معان حاضرًا في ذاكرة كثير من الحجاج الذين مرّوا بها، لأن الأماكن التي تلامس القلب لا تُنسى بسهولة.ومع تغيّر الزمن، وبناء الطرق الحديثة، وتبدّل وسائل السفر، بقيت روح معان كما هي؛ روح النخوة العربية التي لا يقتلها التطور، ولا تُطفئها سرعة الحياة. فما زال أهلها يحملون الصفات ذاتها الكرم، والشهامة، وإكرام الضيف، واحترام عابر السبيل. وكأن الزمن هناك يتغير في الأشياء، لكنه يعجز عن تغيير القلوب.إن المدن العظيمة ليست تلك التي تملك الأبراج العالية، بل تلك التي تحفظ إنسانيتها رغم قسوة العالم. ومعان كانت دائمًا أكبر من مجرد مدينة جنوبية كانت معنى للوفاء، وصورة حيّة للعربي الذي يرى في خدمة الآخرين قيمة أخلاقية لا تسقط بالتقادم ولهذا بقيت مكانتها محفوظة في الذاكرة الشعبية، وفي وجدان كل من عرف طيبة أهلها.وفي النهاية، حين يُكتب تاريخ الكرم العربي، لن تكون معان هامشًا صغيرًا في آخر الصفحة، بل ستكون سطرًا مضيئًا في مقدمة الحكاية فهناك، في تلك الأرض التي تعانق الصحراء، ما زالت القلوب أوسع من البيوت، وما زالت الأيادي تُصافح الغريب بمحبة، وما زال الحاج يشعر، وهو يمر بها، أن الطريق إلى الله يصبح أكثر طمأنينة حين يمر من بين أهل معان .أهلُ معان يفتحون أبوابهم للحجاج لا باعتبارهم ضيوفًا، بل باعتبارهم أمانة
مدار الساعة ـ
