في كُلِّ عامٍ، تَعودُ ذِكرى النكبة الفلسطينية لا بوصفِها حَدثاً عابراً في سِجِلِّ التّاريخِ، بل بوصفِها لَحظةَ تأسيسٍ لِمُعاناةٍ مُمتدّةٍ، وجُرحٍ مَفتوحٍ في وِجدانِ شَعبٍ لَم يَتخلَّ عن حَقِّهِ، ولَم يُسقِطْ ذاكِرَتَهُ.
لقد كانتِ النَّكبةُ بدايةَ الحِكايةِ المُؤلِمَةِ، حينَ اقتُلِعَ الإنسانُ مِن أرضِهِ، وحينَ تَحوَّلَ الوَطنُ إلى سُؤالٍ مُؤجَّلٍ في خَرائطِ السّياسةِ الدُّولِيّةِ. فالنَّكبةُ الفلسطينيةُ عامَ 1948 لَيسَت مُجرّدَ واقعةٍ عابِرةٍ، بل هِيَ عَمليّةُ تَطهيرٍ عِرقيٍّ وتهجيرٍ قَسريٍّ طالَ ما يُقارِبُ 750 ألفَ فِلَسْطينيٍّ، وترافَقَت مع تَدميرِ مُعظَمِ مَعالِمِ المُجتَمَعِ السّياسيِّ والحَضاريِّ، بالتَّزامُنِ مع إعلانِ قيامِ دَولةِ إسرائيل في 15 مايو/أيار 1948.وقد أدَّت هذهِ الأحداثُ إلى احتلالِ 774 قَريةً ومدينةً، وارتِكابِ أَكثرَ مِن 51 مَجزرةً، ما أَفضى إلى لُجوءِ الغالِبيّةِ إلى الضِّفّةِ الغربيّةِ، وقطاعِ غزّةَ، ودُوَلِ الجِوارِ، لِيَتحوَّلَ الشَّعبُ إلى قِصّةِ لُجوءٍ إنسانيّةٍ مُمتدّةٍ في الزَّمانِ والمكانِ.وفي سِياقِها التّاريخيِّ، انتهى الانتِدابُ البِريطانيُّ على فِلَسْطينَ في 14 مايو/أيار 1948، وأعلنَتِ الحَركةُ الصُّهيونيّةُ إقامةَ دَولتِها، ما فَجَّرَ الحَربَ العربيّةَ الإسرائيليةَ الأُولى، وفتحَ البابَ أمامَ مَوجةٍ واسِعةٍ مِنَ التَّهجيرِ القَسريِّ، حيثُ أُجبرَ ثلاثةُ أرباعِ مِليونِ فِلَسْطينيٍّ على الرَّحيلِ تحتَ وَطأةِ التَّهديدِ والمَجازرِ.ولَم يَقتصِرِ الأمرُ على التَّهجيرِ، بل تَجاوَزَهُ إلى تَدميرِ البُنيةِ المُجتمعيّةِ، إذ تَمَّ تَدميرُ أَكثرَ مِن 531 قَريةً ومدينةً، ومُحِيَت قُرىً بِأكمَلِها مِنَ الخَريطةِ، لِيُعادَ تَشكيلُ الوُجودِ الفِلَسْطينيِّ في مَخيماتِ اللُّجوءِ في الضِّفّةِ وغزّةَ ولبنانَ وسوريا والأردن.ثمَّ جاءت حربُ 1967، لِتُضيفَ إلى المأساةِ فَصلاً آخَرَ، ولِتُعمِّقَ الشُّعورَ بالفَقدِ، لا على مُستوى الأرضِ فقط، بل على مُستوى المَعنى أيضاً.وما بينَ الأمسِ واليومِ، لَم تَتوقّفِ المُعاناةُ، بل أَخذتْ أشكالاً أَكثرَ إيلاماً، مِن تَهجيرٍ مُتجدِّدٍ، إلى حُروبٍ مُتكرِّرةٍ، إلى سِياساتِ تَهويدٍ تُحاوِلُ طَمسَ الهُوِيّةِ وتَغييرَ مَعالِمِ المكانِ، وصولاً إلى ما يَعيشُهُ الشَّعبُ الفِلَسْطينيُّ اليومَ مِن ظُروفٍ قاسيةٍ، تَتجاوزُ السّياسةَ إلى حُدودِ المأساةِ الإنسانيّةِ الّتي تَستدعي يَقظةَ الضّميرِ العالَميِّ.إنَّ هذهِ السَّرديّةَ الفِلَسْطينيّةَ، المُمتدّةَ مِن النَّكبةِ إلى النَّكسةِ وصولاً إلى الحاضِرِ، لَيست مُجرّدَ تَسلسُلٍ زَمنيٍّ لِلأحداثِ، بل هِيَ بُنيةٌ مِنَ الصُّمودِ، وإرادةٌ لا تَنكسرُ، صَنعتْ مِن الألمِ وَعياً، ومِن المُعاناةِ قُوّةً أخلاقيّةً.إنَّهُ شَعبُ الجبّارينَ، شَعبُ الصُّمودِ، شَعبُ التَّحدّي، شَعبُ الانتِفاضةِ، الّذي لَم يَنسَ وَطنَهُ، ولَم يُفرِّطْ في أرضِهِ، ولَم يَتخلَّ عن حُلمِهِ، مَهْما طالَ الزَّمنُ.ومِن هنا، فإنَّ حَقَّ الشَّعبِ الفِلَسْطينيِّ في إقامةِ دَولتِهِ المُستقلّةِ وعاصِمَتِها القدس، لَيسَ خياراً سِياسياً قابلاً لِلأخذِ والرَّدِّ، بل هُوَ استِحقاقٌ تاريخيٌّ وأخلاقيٌّ، وضَرورةٌ إنسانيّةٌ، لا بُدَّ لِلعالَمِ أن يَنتبهَ إليها.وفي هذا السِّياقِ، يَبرُزُ الدَّورُ الأردنيُّ، قِيادةً وشَعباً، بوصفِهِ امتِداداً طبيعياً لِهذا الحَقِّ، ودَعماً ثابتاً لِمَطالِبِهِ المَشروعةِ. فقد ظلَّ الأردنُ، عَبرَ تاريخِهِ، في قَلبِ القضيّةِ الفِلَسْطينيّةِ، مُدافعاً عنها في المَحافلِ الدُّولِيّةِ، ومُؤكِّداً أنَّ السَّلامَ الحَقيقيَّ لا يُمكِنُ أن يَقومَ إلّا على أساسِ العَدالةِ.وقد عبَّرَ جَلالةُ المَلِكِ عبدالله الثاني بن الحسين عن هذا المَوقفِ بِوُضوحٍ، كما يواصِلُ سُموُّ وليِّ العَهدِ الحسين بن عبدالله الثاني حَملَ هذهِ الرِّسالةِ بثَباتٍ وإيمانٍ.أمّا الوِصايةُ الهاشِميّةُ على المُقدَّساتِ في القدس، فهِيَ تَعبيرٌ حَيٌّ عن التِزامٍ تاريخيٍّ بحِمايةِ الهُوِيّةِ وصَونِ المَكانِ.إنَّ الشَّعبَ الفِلَسْطينيَّ، وهو يَعيشُ بَينَ سِندانِ الواقِعِ القاسي ومِطرقةِ الانتِظارِ الطَّويلِ، لَم يَفقِدْ إيمانَهُ بأنَّ فَجرَ الحُرِّيّةِ قادِمٌ. فلا احتِلالَ يَدومُ، ولا حَقَّ يَضيعُ، ولا ذاكرةَ تُمحى.ولعلَّ السُّؤالَ الّذي يَبقى مُعلَّقاً في وِجدانِ العالَمِ: إلى مَتى يَبقى الضَّوءُ في نهايةِ النَّفَقِ مُؤجَّلاً… لِشَعبٍ لَم يَتوقَّفْ يَوماً عن السَّيرِ نَحوَهُ؟ابو زيد يكتب: مِنَ النَّكبةِ إلى الحاضر… فِلَسْطينُ بَينَ جِراحِ التّاريخِ وأُفُقِ الحُرِّيَّةِ
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
ابو زيد يكتب: مِنَ النَّكبةِ إلى الحاضر… فِلَسْطينُ بَينَ جِراحِ التّاريخِ وأُفُقِ الحُرِّيَّةِ
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ