في مواقف عديدة، حاورت أشخاصا مختلفي القناعات، بينما اختصاصهم واحد ومسؤوليتهم كذلك، ومع ذلك كنت اكتشف وجهات نظر قوية، رغم تضاربها.. وفي مثل هذه الحالة تتجلى أهمية الحوار في الشأن العام، لكن أين المشكلة الخطيرة في مثل هذه الحوارات، والتي تتطلب قرارا رسميا، او موقفا قضائيا، يمنع التحدث في وسائل الإعلام، عن بعض القضايا المنظورة أمام القضاء، وأصبحنا وفي كل أسبوع تقريبا نسمع او نقرأ خبرا مفاده أن «النائب العام» قرر حظر النشر عن قضية ما في وسائل الإعلام، وهذا خبر اعتبره عنوان «عافية» في المنظومة القضائية، وغيرها من المنظومات المتعلقة بحياة مجتمع.
حين تتحدث مع متهم في قضية، او مع مجرم، ستسمع كلاما مهما، وكذلك حين تتحدث مع رجل أمن يتعامل مع هذه القضايا، او حين تتحدث مع مدع عام، او قاض، او حتى التحدث مع محام، ستسمع حديثا مهما، فيه جانب من اختصاص وخبرة، وإننا في هذه المهنة نعلم ان هذه الحوارات مهمة، وكاشفة، وتنويرية، وتخدم المجتمع والدولة، لكن حين يسمح للناس العاديين بالتحدث والحوار والتنظير والاستنتاج، واطلاق الأحكام، فهذا بلا شك سيضيع الحقائق ويقلب الصور ويشوهها، ويفتح بابا واسعا للتضليل، وربما ينجم عن مثل هذه الحوارات المفتوحة للجميع، قضايا ومشاكل جديدة، وليس فقط تشكيل رأي عام مضلل وضاغط.في مجتمعاتنا المحلية، او حتى في بيوتنا ومضارب عشائرنا، يجري تناول قضايا عامة، وتلحظ ان الحديث مهما انفلت من عقاله، ستجد منظومة أخلاقية ما تؤثر عليه، وتحول دون انتشاره بشكل شيطاني لا حدود له، ومثل هذه الأخلاقيات لا تجدها لو كان الحديث او الحوار يجري في سوق، وعلى أبواب الدكاكين، وتتعاظم الخطورة حين يجري الحديث نفسه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتزدهر فيه تجارة الإثارة والفضائحية، والتعميمات الغبية، التي لا تنم عن أي اختصاص لمطلقها، ولا اخلاقيات أو آداب..من بين كل الناس الذين قد نتحدث معهم حول قضية ما، وأهمهم على الإطلاق، هم القضاة، الذين يمثلون العدالة والضمير والجهة الفعلية المسؤولة ثقة الجمهور بالقانون ومؤسساته، وهؤلاء، لا يتحدثون في القضايا كغيرهم، بل غالبا هم لا يتحدثون أصلا، وأقرب الناس لفهم وسماع وتفسير أحاديثهم، هم المحامون، وحين تتاح للناس العاديين الفرصة لاستراق السمع عن حديث القضاة مع المحامين، سيعلم الناس عندئذ بأن استماعهم لمثل هذا الحديث بحد ذاته، لا يفيدهم في شيء، لانه حديث مختص لا يفهمونه، الا إن كانوا على درجة ما من الاختصاص.. ولو أتيحت للناس فرصة للمشاركة بمثل هذه الحوارات المختصة، فسوف يقع ظلم كبير على المختصين، فكيف لقاض مثلا ان يشرح لمن يجهل القانون، ويقنعه، بأن هذا المتهم بريء او مجرم..أخطر ما تتعرض له مجتمعاتنا مع انتشار المنابر، وتكاثر منصات التعبير عن الرأي، هو تعميم الشر، والتفاهة، والرداءة، ومنظومة من الأمراض، ويتعاظم الخطر مع وجود عواطف ومشاعر وتظلمات مبنية على قناعات وإشاعات.. وأحيانا تتشكل آراء شعبية مبنية على العواطف، وفيها ظلم وقفز فوق كل القوانين، فتشكل ضغطا على الدولة برمتها، وتدفعها لاتخاذ قرارات قاسية، او تنصاع لمطالب الجموع وغضبهم.اتركوا القضايا للمختصين، وافسحوا المجال للقانون والعقل والمنطق، وانتظرو القرارات القضائية «القطعية»، ثم عبروا عن قناعاتكم او رضاكم او عدمه.وحظر النشر نعمة
مدار الساعة (الدستور الأردنية) ـ