أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عباسي تكتب: ليس كل ما يحدث في الأردن يُقال بصوتٍ عالٍ


عهد عباسي

عباسي تكتب: ليس كل ما يحدث في الأردن يُقال بصوتٍ عالٍ

مدار الساعة ـ

في السنوات الأخيرة، لم يعد الأردني يفتح الأخبار بحثًا عن مفاجأة، بل خوفًا من خبرٍ جديد يضيف ثقلًا آخر فوق هذا التعب المتراكم.

أزمات معيشية، تأخر رواتب، بطالة، وقضايا تهزّ الشارع حتى بات الناس يشعرون أن شيئًا عميقًا يتصدّع في الداخل الاجتماعي للبلد.

في القطاع الخاص، يعيش آلاف الموظفين تحت ضغطٍ لا يظهر في الأرقام الرسمية.

راتب يتأخر، والتزامات لا تتأخر أبدًا.

عاملٌ يذهب يوميًا إلى عمله وهو لا يعرف إن كان سيقبض أجره آخر الشهر، ومع ذلك يُطلب منه الصبر، والإنتاج، والابتسام في وجه الزبائن وكأن القلق لا ينهش تفاصيل حياته.

لكن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط.

هناك شيء أكثر قسوة يتسلل إلى المجتمع الاعتياد على الصدمات.

كيف يمكن لشارعٍ كامل أن ينسى بسرعة خبر أبٍ قتل أبناءه الثلاثة؟

جريمة لم تكن مجرد حادثة جنائية، بل انهيارًا كاملًا لفكرة الأمان داخل الأسرة نفسها.

حين يصبح الطفل غير آمن حتى داخل بيته، فإن السؤال لا يعود عن الجريمة وحدها، بل عمّا أوصل إنسانًا إلى هذا الحد من التوحش أو الانهيار النفسي والاجتماعي.

وكيف يمرّ خبر طفلٍ وُجد ملقى تحت حاوية نفايات دون أن يترك ندبة طويلة في ضمير المجتمع؟

مشهد كهذا لا يُختصر في عنوان صحفي؛ إنه صورة قاسية عن هشاشة الإنسان حين يسقط خارج أي حماية، وخارج أي شعور بالمسؤولية أو الرحمة.

ثم تأتي القضايا التي تصدم الناس لأنها ترتبط بأصحاب مهن يفترض أنها قائمة على الثقة، كقضايا أطباء متهمين بهتك عرض.

هنا يصبح الخوف مضاعفًا، لأن الضحية لم تواجه مجرمًا في شارعٍ معتم، بل شخصًا دخلت إليه طالبةً الأمان أو العلاج.

المشكلة الحقيقية ليست في وجود الجرائم فقط، فكل المجتمعات تعرف الجريمة.

المشكلة حين يبدأ الناس بالشعور أن العدالة بطيئة، وأن الضغوط الاقتصادية تخنق الجميع، وأن الثقة بالمؤسسات تتآكل بصمت.

الفساد ليس دائمًا حقيبة أموال تُهرَّب أو صفقة تُعقد في الظلام.

أحيانًا يكون في الإهمال، في غياب الرقابة، في خوف الموظف من المطالبة بحقه، وفي مجتمعٍ يعتاد أخبار الكارثة ثم يكمل يومه كأن شيئًا لم يحدث.

الأردني اليوم لا يريد خطابات طويلة.

يريد فقط أن يشعر أن حياته ليست رخيصة، وأن الطفل محمي، وأن العامل لن يُذلّ من أجل راتبه، وأن القانون لا يضعف أمام اسمٍ أو منصب.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن… أن يفقد الناس إحساسهم بأن العدالة ما تزال ممكنة.

مدار الساعة ـ