أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الوريكات يكتب: سقوط الدول الصامت بين فساد الإدارة وانهيار الانتماء


عبد المنعم الوريكات
عقيد متقاعد

الوريكات يكتب: سقوط الدول الصامت بين فساد الإدارة وانهيار الانتماء

مدار الساعة ـ

الدولة لا تصبح فاسدة فجأة، ولا تسقط دفعة واحدة، والفساد الحقيقي لا يبدأ من موظف صغير يأخذ رشوة، بل عندما يختل ميزان الإدارة، وتضيع المعايير، وتتحول الدولة من مؤسسة تخدم المجتمع إلى شبكة مصالح تخدم نفسها

تبدأ علامات الفساد من ضعف الإدارة، حين تصبح المواقع الحساسة بيد أشخاص غير مؤهلين، أو تُدار بعقلية الواسطة وإهمال الكفاءة، تبدأ الدولة بفقدان قدرتها على العمل الطبيعي، القرار يصبح مرتجلاً، والخطط تتحول إلى شعارات، والخدمات تتراجع، بينما تستمر النخبة الفاسدة بإدارة المشهد وكأن شيئاً لم يحدث

الضعف هنا لا يأتي من فراغ، بل له أسباب واضحة،

مثل غياب الكفاءات الحقيقية، وتقديم الولاء على الخبرة، وتعيين أشخاص لحسابات شخصية أو سياسية، ناهيك عن غياب التقييم الحقيقي للأداء مما يؤدي إلى انعدام الخوف من الفشل بسبب غياب المحاسبة

مع الوقت، يتحول هذا الضعف إلى فساد إداري شامل، وتصبح المؤسسة تحمي نفسها بدل أن تخدم الناس، ويصبح المسؤول مشغولاً بالحفاظ على موقعه أكثر من اهتمامه بمصلحة الدولة

أمّا أخطر أنواع الفساد فيكمن في تضارب المصالح، عندما تكون النخبة التي تدير الدولة مرتبطة بمصالح اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية خاصة، ليصبح القرار العام بعيداً عن الوطنية الخالصة، وهنا تبدأ الأولويات بالتغير، لتكون مصلحة المجموعة قبل مصلحة الشعب، وحماية النفوذ قبل حماية القانون، والمحافظة على الامتيازات تتقدم على عملية إصلاح الدولة

وهنا تبدأ الدولة بفقدان العدالة تدريجياً، فالقوانين تصبح مرنة على البعض وقاسية على الآخرين، والفرص لا تُعطى للأكفأ بل للأقرب، وتتحول المناصب إلى أدوات نفوذ لا أدوات خدمة عامة

أما المشكلة الأدهى، فهي غياب المعايير الواضحة للتعيينات، حين يشعر المواطن أن معظم المواقع تُمنح بالتعيين لا بالمنافسة الحقيقية، وأن الوصول للمناصب يعتمد على العلاقات لا على الكفاءة، فتبدأ الثقة بالدولة بالانهيار، وليس المقصود هنا أن كل تعيين خطأ، فكل دول العالم تُعيّن بعض المسؤولين، لكن المشكلة تبدأ عندما يغيب النظام الواضح

* لا معايير معلنة

* لا منافسة عادلة

* لا شفافية

* لا تفسير حقيقي ومقنع لماذا تم اختيار هذا الشخص دون غيره أو لماذا تمت إنهاء خدماته

أما عندما يغيب الانتخاب الحقيقي أو الرقابة الفعالة أو المحاسبة الجدية، تتراكم الأخطاء دون أي تصحيح، فالرقابة بلا محاسبة مجرد استعراض، والمحاسبة الانتقائية ليست عدالة بل إدارة أزمة

الدولة القوية ليست الدولة التي تمنع النقد، بل الدولة التي تستطيع سماع النقد وتصحيح أخطائها، أما الدولة التي تعتبر كل اعتراض تهديداً، وكل سؤال إساءة، فهي غالباً تخفي أزمة أعمق من مجرد خلاف

الفساد لا يعني فقط سرقة المال العام، بل يعني أيضاً، قتل الكفاءات، إضعاف المؤسسات، تدمير الثقة، وتحويل المواطن إلى شخص فاقد للإيمان بمسيرة الإصلاح المزعومة

وأخطر ما في الفساد أنه لا يدمر الاقتصاد فقط، بل يدمر العلاقة بين المواطن ووطنه، فعندما يشعر الإنسان أن القانون لا يحميه، وأن الفرص ليست عادلة، والمناصب مغلقة ضمن دائرة محددة، فإنه يفقد إحساسه بالشراكة مع الدولة، ويتحول الوطن بالنسبة له إلى مكان يعيش فيه لا مشروع ينتمي إليه

إن إصلاح الدول لا يبدأ بالشعارات، بل يبدأ من بناء مؤسسات قوية، وفرض معايير واضحة وعادلة، وحماية الكفاءات، تفعيل الرقابة الحقيقية،وربط كل سلطة بمحاسبة حقيقية لا شكلية

لأن الدولة لا تسقط فقط حين تنهزم عسكرياً، بل قد تسقط وهي واقفة، عندما ينهار العدل داخلها بصمت

مدار الساعة ـ