لم تعد أزمة البلديات في الأردن "أزمة خدمات" أو "نقصاً بالموارد" فقط، بل أصبحت "أزمة بنيوية" تتعلق بطبيعة الإدارة المحلية نفسها، فعندما تصل "مديونية البلديات" لنحو 630 مليون دينار، ثم انخفضت لـ 285 مليون دينار نتيجة تدخل حكومي مباشر وإعادة هيكلة وجدولة، والسؤال: كيف نمنع عودة المديونية للارتفاع مجددا؟.
الحكومة نجحت في إنقاذ البلديات عبر إعفاءات من فوائد لبنك تنمية المدن والقرى تجاوزت 160 مليون دينار، وجدولة الالتزامات المتبقية على مدد طويلة، ولكن الجميع يدرك أن المشكلة ستعود خلال سنوات قليلة إذا استمرت البلديات بالعمل بذات العقلية، من "جهاز مترهل" وإنفاق تشغيلي مرتفع، وضعف في التحصيل، وخلط بين الدورين الرقابي و التنفيذي.من هنا، فاءن خصخصة بعض خدمات البلديات ضرورة إصلاحية لا مجرد خيار، فالبلديات اليوم ما تزال تدير كل شيء تقريبا، من جمع النفايات إلى التحصيل وإصدار التراخيص والصيانة، رغم أن كثيرا من هذه الخدمات يمكن تقديمها عبر شركات متخصصة بكفاءة أعلى وكلفة أقل، مع إبقاء عمل البلدية جهة تنظيم ورقابة ومحاسبة."الخصخصة" لا تعني بيع المؤسسات العامة والتخلي عن دور الدولة كما يريد البعض تصويرها، بل إعادة تعريف وظيفة البلدية وتحويلها من"مشغل للخدمات" إلى "منظم ومراقب" لها ، ولعل تجربة أمانة عمان الكبرى في خصخصة قطاع جمع النفايات تمثل مؤشرا مهما على هذا التحول، خاصة أن الهدف لم يكن فقط تحسين الخدمة، بل أيضا تخفيف العبء المالي والتشغيلي.الأهم من ذلك، أن لدينا مشروع قانون للإدارة المحلية، وعلينا "إعادة النظر" بطبيعة دور المجالس البلدية المنتخبة، وأن تتحول تجربتها كما مجلس النواب الذي لا "يدير وزارات" بل "يراقب" أداء الحكومة، حيث يفترض أن يكون دور المجلس البلدي إشرافيا ورقابيا، يضع السياسات ويتابع جودة الخدمات ويحاسب المقصرين، بينما تتولى الشركات المتخصصة عمليات التشغيل والتنفيذ.هذا النموذج إن طُبق ليس جديدا، فقد تم تطبيقه بالعديد من الدول، ففي لندن مثلا تعتمد السلطات المحلية على شركات متخصصة بخدمات النظافة والمواقف والنقل، وبسنغافورة "تدار الخدمات" الحضرية وفق عقود أداء صارمة ومؤشرات قياس معلنة، بينما نجحت دبي والسعودية بالسنوات الأخيرة في توسيع الشراكة مع القطاع الخاص في الخدمات البلدية والتحصيل والخدمات الذكية.خلاصة القول، الاستمرار بالنهج التقليدي للبلديات، لن يؤدي إلا إلى عودة المديونية مجددا مهما كانت إجراءات الإنقاذ الحالية، فالإصلاح الحقيقي لا يكون فقط بسداد الديون، بل ببناء نموذج إدارة محلية أكثر كفاءة واستدامة، يقوم على الرقابة والمحاسبة والشراكة مع القطاع الخاص، بدل بقاء البلديات مؤسسات تشغيلية مثقلة بالعجز وضعف الإنتاجية وتقدم خدمات رديئة.نهاية البلديات التقليدية
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ