أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

البحر الأحمر.. الحلقة القادمة من حلقات إعادة تشكيل الشرق الأوسط


الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق

البحر الأحمر.. الحلقة القادمة من حلقات إعادة تشكيل الشرق الأوسط

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

لم يعد الشرق الأوسط يُعاد تشكيله من قلب الصحارى أو عبر الحدود البرية التقليدية، بل من فوق الخرائط البحرية وخطوط التجارة والممرات الاستراتيجية التي تتحكم بتدفق العالم. ففي القرن العشرين كان الخليج العربي ومضيق هرمز مركز الثقل الجيوسياسي العالمي؛ حيث النفط والغاز ومعادلات الردع الكبرى. أما اليوم، فإن مركز الجاذبية الاستراتيجية يتحرك تدريجيًا نحو باب المندب والبحر الأحمر، حيث تمر التجارة العالمية والكابلات الرقمية وسلاسل الإمداد ومستقبل الربط بين آسيا وأوروبا.

ما نشهده ليس مجرد انتقال جغرافي للصراع، بل تحول في طبيعة القوة نفسها؛ فالدول باتت تقيس نفوذها بقدرتها على التحكم بالموانئ والممرات البحرية وشبكات الطاقة والبنية الرقمية العابرة للقارات. ولهذا يتحول البحر الأحمر من ممر ملاحي إلى قلب استراتيجي جديد تُعاد فوقه صياغة التوازنات الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، تبدو المواجهة الأميركية والإسرائيلية والإيرانية وكأنها تتجاوز الملف النووي الإيراني أو حدود الصراع التقليدي، لتصبح معركة على هندسة الشرق الأوسط القادم، من يسيطر على طرق التجارة؟ ومن يربط آسيا بأوروبا؟ ومن يمتلك القدرة على التحكم بتدفقات الطاقة والبيانات والغذاء؟

ومن هنا يمكن فهم لماذا لم تعد المعركة الحقيقية تدور حول الخليج فقط، بل حول البحر الأحمر والقرن الأفريقي وشرق المتوسط والمحيط الهندي، فالخليج، رغم أهميته، لم يعد وحده مركز الطاقة العالمي، بينما أصبح البحر الأحمر شريانًا لا غنى عنه للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب طويل في باب المندب لا يهدد ناقلات النفط فقط، بل الاقتصاد العالمي بأسره.

ولفهم هذه التحولات، لا بد من العودة إلى "نظرية الأطراف" التي صاغها بن غوريون منتصف القرن الماضي. وهو الذي أدرك، أن إسرائيل، بحكم حجمها الجغرافي والديموغرافي، غير قادرة على فرض هيمنة عبر مواجهة مباشرة مع المركز العربي، ولذلك سعى إلى بناء "حزام استراتيجي" يحيط بالعالم العربي من أطرافه ويمنع تشكل كتلة عربية موحدة قادرة على تهديد التفوق الإسرائيلي.

كانت الفكرة، مشروعًا طويل المدى لإعادة هندسة البيئة الجيوسياسية المحيطة بالعالم العربي عبر بناء شبكة تحالفات مع تركيا الكمالية، وإيران الشاه وإثيوبيا الإمبراطورية، وقوى قوى وأقليات غير عربية، بهدف منع تشكل كتلة عربية موحدة قادرة على تهديد التفوق الإسرائيلي.

وكان التحالف مع الإمبراطور هيلا سيلاسي أحد أهم أركان هذه النظرية؛ فإثيوبيا مثلت بوابة للقرن الأفريقي والبحر الأحمر ونقطة تأثير على باب المندب وقناة السويس، فضلًا عن موقعها الحساس في ملف مياه النيل. وقد أدرك الطرفان مبكرًا أن من يقترب من باب المندب يستطيع التأثير في الأمن القومي العربي بأكمله.

كما كان هيلا سيلاسي، كان يرى أن إثيوبيا تحتاج إلى تحالفات تحميها من صعود المد القومي العربي والدعم المصري لحركات التحرر الأفريقية في عهد جمال عبد الناصر.

ورغم انهيار النسخة الكلاسيكية من النظرية بسقوط الشاه الإيراني والإمبراطور الإثيوبي والتحولات التركية، فإن إسرائيل لم تتخلَّ عن جوهر الفكرة، بل أعادت إنتاجها بصورة أكثر مرونة فيما يمكن تسميته بـ"نظرية الأطراف الشبكية"، القائمة على الموانئ والطاقة والتكنولوجيا والأمن السيبراني والكابلات البحرية وسلاسل الإمداد، والربط اللوجستي العالمي.

في هذه النسخة الجديدة، برزت أذربيجان كعمق استراتيجي قريب من إيران ووسط آسيا، ومصدر مهم للطاقة ومنصة للتعاون العسكري والتكنولوجي. فيما تشكلت في شرق المتوسط شبكة تعاون تضم إسرائيل واليونان وقبرص ترتبط بمشاريع الغاز والطاقة والموانئ. أما العلاقة مع الهند، فقد تجاوزت التعاون العسكري إلى شراكة استراتيجية تكنولوجية واقتصادية وأمنية واسعة.

إسرائيل هنا لا تبحث فقط عن حلفاء، بل عن إعادة هندسة المجال الحيوي المحيط بالعالم العربي، ومحاولة التحول إلى عقدة جيوسياسية تربط وسط آسيا والهند والخليج والغرب ضمن شبكة استراتيجية واحدة. ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بإثيوبيا والصومال والموانئ الأفريقية والتحالفات البحرية الجديدة.

وفي المقابل، برزت تركيا بوصفها أحد أكثر الفاعلين سعيًا للتموضع داخل معادلة البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فأنقرة لا تنظر إلى الصومال باعتباره مجرد ساحة مساعدات إنسانية، بل امتدادًا لمشروعها البحري الجديد. ولهذا تمثل القاعدة العسكرية التركية في مقديشو جزءًا من رؤية تهدف إلى تثبيت وجود عسكري قرب طرق التجارة العالمية وتوسيع النفوذ البحري التركي من شرق المتوسط حتى المحيط الهندي.

وتدرك تركيا أن أي شبكة إسرائيلية ـ هندية ـ غربية جديدة قد تؤدي إلى تهميش دورها إن لم تمتلك أوراقًا بحرية مقابلة، لذلك تسعى إلى ترسيخ حضورها في القرن الأفريقي بالتوازي مع تجنب صدام واسع مع أوروبا في شرق المتوسط.

وفي هذا السياق، تصبح الصومال واحدة من أهم الساحات الجيوسياسية القادمة، ليس بسبب ضعفها فقط، بل بسبب موقعها البحري الممتد على خليج عدن والمحيط الهندي، والقريب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

أما السعودية، فتنظر إلى البحر الأحمر باعتباره العمق الاستراتيجي لرؤية 2030 ولمشاريع نيوم والموانئ الغربية والممرات اللوجستية الجديدة. وفي المقابل، تعتبر مصر أن أي تهديد مستدام لحركة الملاحة عبر باب المندب يمثل تهديدًا مباشرًا لقناة السويس ولدورها الجيوسياسي، لذلك تعمل على تعزيز حضورها البحري والإقليمي لمنع أي ترتيبات قد تؤدي إلى تطويقها استراتيجيًا.

أما الصين، فقد أدركت مبكرًا أهمية هذا الممر، فأنشأت أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي لحماية طرق تجارتها ومشروع "الحزام والطريق". كما تنظر الولايات المتحدة إلى البحر الأحمر باعتباره جزءًا من معركة الحفاظ على النظام البحري العالمي الذي قادته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولذلك يُقرأ أي تمدد صيني أو روسي أو إيراني هناك باعتباره تحديًا مباشرًا للنفوذ الأميركي.

وسط هذا المشهد، تتحول الحرب في السودان إلى أحد أخطر العوامل المؤثرة في مستقبل البحر الأحمر، فالسودان يمثل العمق الجنوبي والغربي للبحر الأحمر، واستمرار الحرب يفتح المجال أمام تنافس إقليمي ودولي واسع واحتمال تحول سواحله إلى ساحة صراع مفتوح بما يهدد أمن الملاحة ويخلق بيئة مثالية للميليشيات وشبكات التهريب.

وفي ضوء هذه التحولات، يبدو أن الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة يصبح فيها الصراع على البحر الأحمر أهم من الصراع على الحدود التقليدية، فالقوة في العقود القادمة ستكون لمن يملك القدرة على التحكم بتدفقات التجارة والطاقة والبيانات.

ولهذا قد يتحول البحر الأحمر خلال العقد القادم إلى أخطر ساحة جيوسياسية في العالم، كما كان الخليج العربي في العقود الماضية. فالمنطقة التي تشكلت خلال الحرب الباردة تتفكك تدريجيًا؛ العراق لم يعد مركز التوازن العربي القديم، وسورية خرجت منهكة، ولبنان يعيش انهيارًا بنيويًا، والقضية الفلسطينية مفنوحة على كل الاتجاهات، بينما تآكل مفهوم النظام العربي المشترك، دون أن يظهر بديل مستقر حتى الآن.

وفي الوقت نفسه، تتبلور خرائط جديدة تقوم على الممرات الاقتصادية وتحالفات الطاقة والربط البحري والتكنولوجيا العسكرية. وعندما تصبح خطوط التجارة والطاقة تمر من خلا ممرات البحرية تُدار بتحالفات غير عربية، فإن المنطقة تتحول تدريجيًا من مركز قرار إلى ساحة نفوذ.

وسط هذه الخرائط المتغيرة، يقف الأردن أمام لحظة تاريخية شديدة الحساسية، فالتوسع المتسارع في مشاريع العقبة والموانئ والبنية التحتية والربط الإقليمي لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تطوير اقتصادي فقط، بل جزءًا من محاولة أردنية للانتقال من "دولة تتلقى آثار الجغرافيا" إلى "دولة توظف الجغرافيا لصناعة النفوذ"، وإعادة تموضع جيواستراتيجي داخل معادلة البحر الأحمر القادمة.

ومع انتقال جزء من الصراع الدولي من الخليج إلى البحر الأحمر، يصبح امتلاك موطئ قدم قوي على هذا الشريان البحري عنصرًا حاسمًا في توازنات القوة الإقليمية، ما يمنح الأردن فرصة ليكون جزءًا من "الاقتصاد الجيوسياسي الجديد للبحر الأحمر".

الأردن، بقيادة الملك، يدرك أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الحروب التقليدية، بل في أن يجد نفسه خارج شبكات الربط الجديدة التي يعاد تشكيلها حوله. ولهذا يمكن قراءة تحركاته الإقليمية الأخيرة ومحاولاته بناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، ومنها تركيا، وتعميق الشراكة مع اليونان وقبرص والانخراط في مشاريع الطاقة والربط الإقليمي، باعتبارها محاولة لبناء موقع توازن داخل بيئة إقليمية شديدة السيولة.

فالأردن يسعى إلى منع تشكل بيئة جيوسياسية قد تؤدي إلى تهميشه أو تقليص أهميته الاستراتيجية، مع الحفاظ على عدم الانزلاق في استقطابات حادة.

العالم يتغير؛ فإذا كان النفط قلب صراعات القرن العشرين، فإن الممرات البحرية ستكون قلب صراعات القرن الحادي والعشرين. ولهذا فإن باب المندب وقناة السويس والقرن الأفريقي وشرق المتوسط والمحيط الهندي ستصبح جميعها أجزاء من معركة النفوذ الكبرى المقبلة.

وفي السنوات القادمة، يبدو أن نظرية الأطراف ستتجه نحو نسخة أكثر سيولة وأقل أيديولوجية، قائمة على الموانئ والطاقة والذكاء الاصطناعي والربط البحري والتحالفات التقنية.

وقد نشهد خلال السنوات المقبلة تشكل محاور اقتصادية بحرية تمتد من شرق آسيا إلى أوروبا عبر أكثر من اتجاه لمنع احتكار طرق التجارة العالمية. وهنا يمكن قراءة الحرب في الخليج بوصفها جزءًا من هذا الصراع، ومحاولة لقطع الطريق على بناء شبكة صينية إيرانية تمتد من الصين، عبر العراق وسورية ولبنان، إلى المتوسط، في وقت يبدو فيه أن طهران تعود تدريجيًا إلى التركيز على شانها الداخلي، بعد الضربات العميقة التي تعرض له مشروعها الإقليمي.

وهنا يكمن الخطر، في نجاح القوى الدولية او المحيطة في تحويل البيئة العربية من "مركز إقليمي" إلى "فراغ جيوسياسي"، تتنافس فوقه القوى الإقليمية والدولية.

وفي قلب هذه التحولات، يقف الأردن أمام خيار تاريخي حاسم، إما أن يتحول إلى عقدة توازن ذكية تربط بين البحر الأحمر وشرق المتوسط ضمن النظام الإقليمي الجديد، أو أن يجد نفسه محاصرًا داخل خرائط تُعاد صياغتها من حوله دون أن يكون شريكًا مؤثرًا فيها.

ويبقى السؤال، من يملك القدرة على منع عزله عن خرائط المستقبل؟

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ