أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الكرك.. خشم العقاب تودع 'خليلها'!


عبدالسلام الطراونة

الكرك.. خشم العقاب تودع 'خليلها'!

مدار الساعة ـ

أنا هنا في كرك التاريخ والمجد والعلياء!

أنا هنا في حاضرة مهيبة هي والشمس توأمان!

أنا هنا في حاضرة مؤآب التي أبدعت في نسج سرديةٍ قوامها (الحرف والسيف) منذ قديم الزمان!

أنا هنا في خشم العقاب ذات الفعل المهيوب.. والصمت المحسوب.. أليس السيف مُهاباً داخل الغمد وخارجه؟!

أنا هنا في مليحة المدائن وموئل العظماء والقادة والمعلمين والأطباء والشعراء والصولجان والعسكر الشجعان!

أنا ابن خشم العقاب الأثيرة التي تحتضن التاج والجبين وجيشنا العربي برمش العين!

أنا هنا في حاضرة مؤآب وريثة مجد (ميشع) العظيم!

أنا هنا في قلب جوهرة الصحراء ودرّتها.. الكرك العظيمة!

أتوقف عند بوابتها .. وألثم رموش (عين سارة) التي تشير لي بتؤدة أن أقرأ مسلّة مدونة على المدخل قوامها خمس كلمات فقط.. تبدأ بفعل يقف على تخوم الأمر المحبب يقول: (أرفع رأسك أنت في الكرك) كي ترى بالكامل هيبة الربوة التاريخية التي يتربع خشمها على ربوة جغرافية عظيمة تغازل الشمس كل صباح!

نعم.. خمس كلمات بعدد أصابع يُمنى القائد المؤآبي العظيم (ميشع) التي خطت مسلّة العز والانتصار على الغزاة الصهاينة.. أصابع خمسة إذا انبسطت غدت راحةً ممدودةً وإشارةً ودودةً للترحيب بالأشقاء والضيوف والمحبين.. وإذا انقبضت وغضبت أضحت قبضةً مؤآبية مضرية تقدح شرراً وناراً ذاق لظاها ولهيبها الغزاة الصهاينة ذات معركة ضارية على أرض مؤآب حيث ولّى الغزاة الأدبار مذعورين وسراويلهم مدلاة!!

وأمام هيبة الكرك ومقامها العالي وجدت ذاك الفتى القومي جوّاي يتهيأ لولوج بوابة العز ويرفع قامته إلى الأعلى فالأعلى .. كيف لا وأنا في حاضرة مؤآب المحشومة والتي كانت ذات زمان بهيّ مضى صاحبة القرار والشور في المنطقة بأسرها.. وكانت الكثير من العواصم تنتظر صعود الدخان الأبيض من بوابة القرار في مؤآب لتقتدي برأيها أثناء الأزمات والكوارث!!

أنا هنا في الكرك .. الحاضرة الودودة.. حاضرة التآلف والوئام التي تحتضن المسجد والكنيسة جنباً إلى جنب في توافق حميم ووئام أخوي قلّ نظيره وتآخٍ يؤطره تعايش إيماني مشهود وتراحم دنيوي محمود بين كافة أبناء عمومتي مسلمين ومسيحيين على حدٍ سواء!

وأمشي الهوينا على سلم الصعود إلى الأعلى فتلمح عيني مدرسة الكرك الثانوية.. هذه الربوة الثقافية والعلمية الباسقة التي احتضنت ذات فصل بهيّ مضى المعلم والرئيس الشهيد (وصفي التل) وهو يُدرس مساق الفيزياء القومية وكيمياء الصراع مع العدو الصهيوني!! وأتهيأ كضابطٍ في الميدان العسكري وأضرب تعظيم سلام لعلم بلادي الذي يتوج غرة المدرسة علم الأردن الخفاق على الدوام ولهذه المنارة المرموقة التي علمتني اللثغة الأولى على درب الانتماء القومي!

وأغذّ السير صعوداً إلى الأعلى وصولاً إلى حارة الأيوبيين في الكرك .. وأتوقف لأضرب تعظيم سلام أمام تمثال البطل صلاح الدين الأيوبي (خال وصفي) وهو يشير بشاهده وسيفه المسلول نحو الغرب حيث مهوى الأفئدة في فلسطين العزيزة!

وأمضي صعوداً إلى الأعلى ليحط قلبي رحاله في قلعة الكرك، وأضرب تعظيم سلام لأسد القلعة الضابط الشجاع سائد المعايطه الذي ما يزال مسك دمه الطاهر يعطر جنبات القلعة حين تصدى للأوغاد والأشرار.. ونال هو الشهادة وخرجوا هم بالخزي والعار... واضرب تعظيم سلام لروح الشهيد البطل معاذ الكساسبة الذي ما يزال هدير طائرته يحوم في سماء الكرك ووجدان أهلها الطيبين.

وأطلّ من حالق واضرب تعظيم سلام لأرواح الشهداء أبطال (هية الكرك) الذين كان الظالمون يلقون بهم من فوق أسوار القلعة إلى الوادي المجاور... وأترحم على أرواح هؤلاء الفرسان الأشاوس وقائدهم الشيخ الجليل (قدر المجالي) ومن بينهم عدد من أعمامي في قرى الحسينية وأم حماط والخالدية والعمرية والمزار الجنوبي وفي الصف الأول من هذه الكوكبة جدي المرحوم الحاج ذياب الطراونه الذي وضع الظالمون الغزاة مكافأةً قدرها وزن جدي ذهبا لمن يدلي بمعلومة عن مكان تواجده أثناء ثورة (الهية) ... ورحل الظالمون عن ديارنا إلى غير رجعة .. وظل فرسان (الهية) الأشاوس رافعي الرؤوس على أرض أم الثورات الكرك الأبية!

وأصعد إلى اليمين قليلاً وبالتحديد بمحاذاة سرايا الكرك، لأحط الرحال في منزل عمي المرحوم حسين باشا الطراونة زعيم المعارضة في ضفتي الأردن، وعلى يمينه عمي المرحوم أحمد الطراونة الذي لقبه جلالة الحسين طيب الله ثراه بـ "حامي الدستور" ورجالات الكرك المخلصين وهم يتحلقون حول كومة هائلة من الذهب، هي حصيلة ما تم جمعه والتبرع به من قلائد حرائر الكرك ونشميات الطراونة، وتحويشة أعمار رجال المدينة وأريافها من خواتم ذهبية وعصمليات,, وتم تحويل هذه الكومة الكبيرة من الذهب الخالص إلى سلاح ومدد وحنطة لتكون بيد الأشقاء الفلسطينيين وجيش الإنقاذ الفلسطيني والزعيم المجاهد الحاج أمين الحسيني طيب الله ثراه.

وتم إرسال المدد والسلاح عبر لسان البحر الميت.. ووصلت الشحنة المرسلة من الشقيق المساند في الكرك إلى شقيقه الفلسطيني المناضل في القدس مشفوعة برسالة شفوية كركية تقول: (يا أشقاءنا في فلسطين العزيزة.. لا حاجة بنا للذهب والزينة ما دامت فلسطين محتلة. وأن ذهبنا هو فلسطين.. وجوهرتنا الغالية هي القدس الشريف!

أنا هنا في قلعة الكرك،، أرى ناراً أشعلها السفاح وعساكره في باحة القلعة.. وأسمع زغاريد أطلقها لسان وقلب خنساء الكرك الشيخة علياء الضمور .. واسمع هتافاً يطلقه الشيخ إبراهيم الضمور والد الذبيحين يقول (النار ولا العار)!

وأرى الكرك مطوقة بالكامل حتى يتم تسليم الدخيل شقيقنا المناضل قاسم الأحمد الجمّاعين ابن جبل النار في نابلس الذي فرّ من ظلم إبراهيم باشا واحتمى بأشقائه بالكرك.. وأرى النار تنهش جسديّ الشقيقين علي والسيد الضمور .. فأنفث رئتي حقداً في وجه الطاغية السفاح ... واستشهد الذبيحان فداء للشقيق الفلسطيني.. وعلى الفور انقض ابناء الكرك وشربوا فنجان الثأر من السفاح وألحقوا به وبعساكره هزيمة منكرة وسجلوا درساً في الفروسية والشهامة ونصرة الشقيق... وظل الشهيدان الشقيقان (علي والسيد) خالدين في القلب والوجدان أبد الدهر!! واندحر الظالم مذموماً مكسوراً.. وها أنذا أضرب تعظيم سلام للشهيدين ووالديهما ولمن شرب فنجان الثأر في كرك المجد والشهامة!!

يا كرك المجد والقرار.. يا ملهمتي وتاج رأسي .. داهمتني الأحزان من كل صوب هذه الأيام ... فأنا لم أفرغ بعد من حزني على رحيل خالي العزيز أبو سلطان الطراونة الذي ارتحل إلى جوار ربه راضياً مرضياً... وارتحل قبل ذلك أخي في العروبة القومي النبيل والطبيب الوسيم المرحوم الدكتور عبدالله الضمور الغالي على قلبي ووجداني.. حتى نبؤوني برحيل مربي الأجيال المرحوم الأستاذ خليل الكركي طيب الله ثراه,, فضربت كفاً بكف.. وخنقتني العبرة وقلت: أواه يا كبدي فقد رحل معلمي وأستاذي الذي قوّم لساني القومي لتظل بوصلته على الدوام عيون الأردن وغلاوة فلسطين ومجد أمة العرب!

أنا هنا في الكرك لنيل شرف القيام بواجب الوداع لرمز وطنيٍ وقومي كبير هو خليل الكرك... وخليل الضاد... وخليل اللغة الراقية... وخليل المبسم الزين... وخليل الزمن الجميل.. نعم الأستاذ المفوّه خليل الكركي الذي علمني اللثغة البكر على درب الانتماء القومي... مثلما علّم أجيالنا المتعاقبة في مدرسة الكرك أن الحرف يغدو مقدساً وسامياً عندما يكون منذوراً لعيون الأردن وفلسطين وأمة الضاد!!.

وها أنذا أسند ظهري المهدود إلى صرح (مصطبة القدس) التي تتشرف الكرك باحتضانها برمش العين وصَمدِها في أعلى الذرى على جبين قلعة الكرك تاجاً فلسطينياً أردنياً عربياً عزيزاً!

ها نحن، أنتِ وانا يا مصطبة العزّ نُطلّ من حالق صوب الغرب ونلمح طيف شقيقتك (مصطبة الكرك) في رحاب الأقصى الشريف، ونسمع بوحها وحزن الأشقاء من حولها على رحيل الأستاذ خليل الكركي، الأيقونة القومية وصاحب القامة الباسقة التي ظلت تهتف من القلب ومنذ عقود طويلة ومع طالع شمس كل يوم لمجد الأردن ونصر الجزائر وانتصار فلسطين!

ها أنذا ألثم جبينك يا كرك التاريخ والعلياء... يا مدينة عظيمة أنجبت رجالاً نالوا شرف المساهمة في سردية وطنية وقومية قوامها (الحرف والسيف) الحرف حرف الضاد، والسيف سيف جيشنا العربي الباسل... ونِعمَ الحرف ونِعمَ السيف!

نعم سردية تتكئ على صولجان الحرف الذي يتهادى بأناقة على لسان المربّي الجليل والمفوّه الأستاذ خليل الكركي الذي جعل من الضاد حسامًا فاعلاً لخدمة الأردن والقضية المصيرية مثلما تتكئ على صولجان فروسية وشجاعة جيشنا العربي المقدام.. صولجان النصر والبطولة في اللطرون وباب الواد الذي أضحى سيد الموقف في ساح الوغى حين ابدعت الكتيبة الرابعة ابنة جيشنا العربي المصطفوي وقائدها المشير حابس المجالي (أخو خضرا).. الفارس الشجاع الذي حبس الأوغاد الصهاينة في الوادي واقتاد مجرم الحرب (أرئيل شارون) إلى الأسر ذليلاً مثل خنزير مرعوب.. ووقف البطل حابس منتصباً كالرمح يشير بصولجانه إلى شارون الذي كان يجثو على ركبتيه صاغراً ذليلاً... وقال القائد المجالي لبواسل الكتيبة الرابعة: "خذوا هذا "الدحدول الأحمر" وعالجوا جراحه لأن أخلاقنا الإسلامية والعربية وأخلاق قيادتنا الهاشمية وعقيدة جيشنا العربي المصطفوي تقضى بمعالجة الأسير حتى يشفى وبعد العلاج والشفاء التام كرفتو االدحدول في معسكر أم الجمال!!" وهكذا كان!

وتطوف بي الذكريات.. ذكريات الصباحات الجميلة في مدرسة الكرك الثانوية حيث نصطف نحن الطلبة يتقدمنا مديرنا القومي المهيوب الأستاذ خليل الكركي وهو يشير بشاهديه وناظريه لنا ولعنادل الكرك التي اصطفت على السوار الغربي للمدرسة ونؤدي جميعاً تحية العلم وننشد لمجد الأردن ونصر الجزائر وتحرير فلسطين.

وتنداح الرؤى وأستذكر حتى المواقف الطريفة ذات المغزى العميق وكان أحدها ذات عصر بهيج حين كان الأستاذ خليل الكركي يلقى على أسماعنا وقلوبنا درساً في القومية العربية، وإذا ببائع الهريسة خارج سور المدرسة ينادي على بضاعته بأعلى صوته!! وقام أحد الزملاء بفتح الشباك ليطلب من البائع الابتعاد كي لا يفسد هيبة المحاضرة وجديّة المحاضر ... فما كان من الأستاذ خليل إلا أن خاطب الطالب بقوله: يا هذا .. دع عنك الإنشغال بهريسة الأفواه.. واصغ إلى هريسة العقول!! ولم نجرؤ نحن الطلبة على الضحك مخافة أن نخدش هيبة المحاضرة وعنفوان المحاضر.. ومخافة أن يصيبنا غضبه الحنون!!

وينداح المدى أكثر لأخاطب روح أحد طلاب الأستاذ خليل الكركي وهو الشاعر الوسيم المرحوم الدكتور فايز الصياغ الذي كان ينظر إلى الأستاذ خليل الكركي على أنه مثله الأعلى والملهم الذي صقل موهبته الشعرية.. نعم (فايز) أخي في العروبة الذي طلّق الشعر مع سبق الإصرار والتصميم بعد نكسة حزيران في العام 1967 لأن الفاجعة القومية والإنكسار القومي، كانا أكبر من الحرف والتفعيلة ومحيط الشعر ولأن شبكة الإنكسار كانت أكبر من سنارة الحرف.. ولزم صومعته القومية متسلحاً بصمت قومي أبلغ من كل بيانات وأدبيات الكون!!

يا كرك المجد والحرف والسيف والعلياء.. ذهب الذين أحبهم وبقيت ذاك القومي "العنيد" بالحق في زمن الانكسار وعتمة النهار والفوضى المنظمة التي تسود المنطقة والعالم... حيث يزدهر سوق النفاق والدهلزة وتغريدات الفتنة والمزاودة الرخيصة.. ويزدهر سوق تكنولوجيا هواتف أكشاك الشوارع التي يكون ولاؤها المزيف بمقدار الدفع والنفع العاجل.. وسوق خائنة الأعين والألسن والأقلام.. وسوق الحرباوات والرويبضات.. وسوق قَهب الأرض وقَهب الرجال!!

يا كرك ... يا أمي الغالية... هل كُتب عليّ بأن أظل أعد الشموس والكواكب والنيازك الآدمية الغالية على وجداني وهي تجري إلى مستقر لها بين يدي رحمن رحيم وأنا قابع هنا تذبحني الغربة وأتلحف بقوميتي كسلاح واحد ووحيد يؤنس وحشتي القومية؟! وغدوت والحالة هذه نسخةً عربية عن ذاك الضابط الياباني (هيرو أنودا) الذي ظل يحتضن بندقيته لعدة عقود بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لأنه لم يعترف بانتهائها إلى أن جاء قائده السابق وأمره رسمياً بوقف القتال!

وأنا كذلك ما زلت أتشبث بقوميتي العربية لأنها سلاحي وسأظل كذلك إلى أن يأذن الله بزوال الاحتلال الصهيوني النازي الغاشم.. وسأظل أحلم بقدوم "الطارش" القومي ذات يوم ليزف لي البشرى وأعطيه ما تبقى من عمري!!

والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار... ولفرسان الأمة الأطهار الراحلين منهم والأحياء.

مدار الساعة ـ