أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

شطناوي يكتب: الوجه الخفي لاقتصاد الوظائف المؤقتة

مدار الساعة,أخبار التكنولوجيا، التقنيات,وزارة العمل
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب أ.د. نورس شطناوي -

ليس من الدقة أن نختزل اقتصاد الوظائف المؤقتة في صورة عامل التوصيل فقط، تماماً كما لا يصح أن نحصره في منصات العمل الحر عن بُعد. فالتعريف الأدق، كما تقدمه منظمة العمل الدولية، يتحدث عن منصات عمل رقمية تشمل نوعين رئيسيين: منصات قائمة على الموقع، تُنجَز فيها الخدمة حضورياً في مكان محدد مثل النقل والتوصيل، ومنصات عبر الإنترنت، يقدّم فيها العامل الخدمة عن بعد، من البرمجة والتصميم إلى الترجمة والتسويق الرقمي. ومن هنا نحن نتحدث عن طيف واسع من علاقات العمل غير المتجانسة، يجمعها وسيط رقمي واحد ينسق الطلب والعرض، ويعيد تنظيم العمل خارج القوالب التي بُني عليها كثير من قانون العمل التقليدي.

عالمياً، لم يعد هذا الاقتصاد هامشاً يمكن تجاهله. فوفق تقديرات حديثة أوردتها وثائق البنك الدولي ومواد مرجعية صادرة عن منظمة العمل الدولية، يتراوح عدد العاملين النشطين على المنصات الإلكترونية بين 154 مليوناً و435 مليوناً، أي ما بين 4.4 و12.5 في المئة من القوة العاملة العالمية. كما حدد البنك الدولي 545 منصة عمل حر عبر الإنترنت، مقارّها في 63 دولة، بينما ينتشر العمال والعملاء عبر 186 دولة؛ وفي المقابل تشير منظمة العمل الدولية إلى أن عدد المنصات التي تصل الأعمال بالعمال ارتفع من 193 في 2010 إلى 1,070 في 2023. وهذا التفاوت نفسه يقول شيئاً مهماً مفاده أن القطاع كبير بما يكفي لتغيـير سوق العمل، لكنه لا يزال صعب القياس بما يكفي ليتهرب من التنظيم الدقيق.

ثم إن قراءة الأرقام من زاوية النشاط التجاري تؤكد أن المسألة لم تعد تجريبية. فقد سجّلت أوبر في عام 2024 أكثر من 11.27 مليار رحلة، و171 مليون مستهلك نشط شهرياً على منصتها في الربع الأخير، مع حجوزات إجمالية سنوية قاربت 162.8 مليار دولار. وفي العام المالي نفسه، أعلنت دليفري هيرو وصول قيمة البضائع الإجمالية إلى 48.8 مليار يورو، مع نمو قوي في عملياتها الإقليمية، بما في ذلك نمو سنوي لافت في نشاطها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2024. وهذه ليست أرقام وظائف بحد ذاتها، لكنها دليل كثيف على أن المنصات صارت بنية تحتية فعلية للتبادل والخدمة والدخل، لا مجرد تطبيقات ذكية على هواتف الأفراد.

أما إقليمياً، فالمشهد العربي يحمل مفارقة واضحة. فمن جهة، يقدّم السياق التقني والاجتماعي بيئة مواتية لتوسع العمل عبر المنصات؛ ويكفي أن الاتحاد الدولي للاتصالات قدّر أن 70 في المئة من سكان الدول العربية كانوا يستخدمون الإنترنت في 2024، وهي نسبة أعلى قليلاً من المتوسط العالمي البالغ 68 في المئة. ومن جهة ثانية، لا يأتي هذا التوسع في فراغ اقتصادي مريح، بل في منطقة تُظهر تقارير العمل الرسمية فيها ضغوطاً مرتفعة في الاستفادة من اليد العاملة، إذ بلغ المؤشر المركب لنقص الاستخدام في سوق العمل في الدول العربية 20.1 في المئة في 2022، مع فجوة صارخة بين الرجال والنساء. وفي هذا السياق، رصد تقرير آفاق العمل والعمالة في الدول العربية 2024 توسعاً لافتاً في منصات التوصيل والنقل والعمل الحر الرقمي، لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن الإحصاءات الرسمية ما تزال عاجزة عن قياس المدى الحقيقي للمشاركة في هذا النوع من العمل.

في الأردن، يتواصل توسع العمل بعقود مؤقتة بأشكال عدة: من توصيل الطلبات والنقل (مثل أوبر وغيرها) إلى العمل الحر عبر الإنترنت، حيث يتركز معظم العمال في هذه القطاعات من الشباب الباحث عن الدخل، مع مشاركة ملحوظة للنساء. هذه العمالة تفتقر للحماية الاجتماعية (لا تشملها التأمينات الرسمية) ويعاني العاملون فيها من تقلب الدخل وانعدام العقود الواضحة. وتشير بيانات وزارة العمل (2023) والبنك الدولي (2024) إلى تزايد أعدادهم واستمرار انعدام الاستقرار الوظيفي. ويوصي الخبراء بسنّ تشريعات جديدة لضمان حقوقهم كالتأمين الصحي، وتعزيز الرفاه الاجتماعي، لمواجهة استمرار العمل بلا أمان بوصفه الوجه الخفي لهذا الاقتصاد.

إذا أردنا سياسة عامة لا تنخدع ببريق التطبيق ولا تسحق إمكانات الابتكار، فالاتجاه الأجدى هو بناء توازن جديد لا العودة إلى الوراء. وبالاستناد إلى الأدلة والمعالجات الرسمية الحالية، ينبغي أولاً على الحكومات أن تطور قياساً إحصائياً منتظماً لعمل المنصات، وأن تفرض قواعد واضحة لتحديد الصفة القانونية عند توافر السيطرة والتوجيه، وأن تبني أدوات حماية اجتماعية قابلة للنقل بين المنصات وأشكال العمل المختلفة، مع احتساب وقت الانتظار وتكاليف العمل الفعلية في الحد الأدنى للدخل والحماية من إصابات العمل. كما ينبغي إلزام المنصات بشفافية الرسوم والتسعير والقرار الخوارزمي، وبآليات اعتراض بشرية سريعة وعادلة ضد التعليق والإقصاء الآلي. وفي المقابل، يتعين على المنصات نفسها أن تتوقف عن التعامل مع الحماية الاجتماعية باعتبارها تكلفة خارجية على المجتمع، وأن تنظر إليها كجزء من استدامة نموذجها، سواء عبر مساهمات في التأمين، أو توفير تغطيات ضد الحوادث والمرض، أو تمويل التدريب والوصول إلى الأجهزة. أما العمال، فمصلحتهم العملية اليوم تقتضي توثيق ساعاتهم الفعلية وكلفهم، وتقليل الاعتماد على منصة واحدة كلما أمكن، والاستثمار في المهارات الأعلى أجراً، والانخراط في أطر جماعية أو نقابية أو تعاونية كلما توفرت. فالمنصة قد تفكك علاقة العمل الفردية، لكن التفاوض الجماعي يظل، حتى في العصر الرقمي، أحد الأسماء القليلة الممكنة لاستعادة بعض التوازن.

وفي النهاية، ليست المشكلة أن اقتصاد الوظائف المؤقتة جديد؛ المشكلة أنه يريد أن يكون جديداً إلى الحد الذي يعفيه من الأسئلة القديمة نفسها: من يتحمل المخاطر؟ من يضمن الدخل؟ من يدفع كلفة المرض والحوادث والشيخوخة؟ وإذا لم تُجب السياسات عن هذه الأسئلة بوضوح، فإننا لن نكون أمام اقتصاد مرن بقدر ما سنكون أمام سوق يتسع فيه الابتكار بقدر ما يتآكل فيه الأمان. ذلك أن التكنولوجيا، مهما تغيّر شكلها، لا تجعل العمل لائقاً تلقائياً؛ إنها فقط تجعل شكل الاستغلال أكثر كفاءة إذا تُرك بلا ضابط.


مدار الساعة ـ