لم يعد الصراع حول مضيق هرمز مجرد أزمة أمنية مرتبطة بإيران أو بحركة الملاحة النفطية، بل أصبح اختبارًا شاملًا للنظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، والقائم على حرية التجارة البحرية، وأمن الممرات الدولية، وربط الاقتصاد العالمي بالدولار والطاقة والتأمين البحري.
اليوم، ومع تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها، عاد العالم إلى مرحلة تشبه “قانون البحار بالقوة”، حيث لم تعد الاتفاقيات الدولية وحدها قادرة على ضمان تدفق التجارة، بل أصبحت حاملات الطائرات، والتحالفات البحرية، والقوة الجيوسياسية، هي الضامن الحقيقي للملاحة الدولية.يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسب ضخمة من الغاز الطبيعي المسال القادم من دول الخليج. وأي اضطراب طويل في هذا الممر لا يعني فقط ارتفاع أسعار النفط، بل إعادة تشكيل كاملة لخريطة الطاقة العالمية، ومسارات التجارة، وأسواق العملات، وحتى قواعد التسعير الدولية للطاقة.العودة إلى ما قبل القانون البحري الدوليالنظام البحري الحديث تأسس على اتفاقيات دولية أبرزها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي كرّست مفهوم “حرية الملاحة” وحق المرور في المضائق الدولية. لكن ما يحدث في هرمز يكشف هشاشة هذه المنظومة عندما تدخل الصراعات الكبرى مرحلة كسر الإرادات.إيران ترى أن وجودها الجغرافي يمنحها حق التأثير المباشر في أمن المضيق، بينما تعتبر القوى الغربية أن أي تهديد للملاحة يمثل تهديدًا للاقتصاد العالمي. وهنا يظهر التحول الأخطر: انتقال الصراع من نزاع إقليمي إلى صدام حول تفسير القانون البحري نفسه.فإذا أصبحت المضائق الدولية خاضعة لمنطق النفوذ العسكري، فإن ذلك سيعيد العالم إلى مرحلة ما قبل العولمة البحرية الحديثة، حيث كانت القوى الكبرى تفرض السيطرة على طرق التجارة بالقوة المباشرة لا بالقانون.النفط.. من سلعة طاقة إلى سلاح استراتيجيأي تصعيد في هرمز يدفع الأسواق فورًا إلى إعادة تسعير النفط، ليس وفق حجم الإنتاج فقط، بل وفق “مخاطر المرور”. وهنا تدخل عناصر جديدة في معادلة السعر:تكلفة التأمين البحري.مخاطر الاستهداف العسكري.كلفة تغيير خطوط النقل.احتمالات انقطاع الإمدادات.تدخل الأساطيل الدولية.هذا يعني أن سعر برميل النفط لم يعد يعكس فقط العرض والطلب، بل أصبح يعكس مستوى التوتر الجيوسياسي العالمي.وفي حال توسع الصراع، فإن العالم قد يشهد انتقالًا تدريجيًا من “سوق نفط مستقرة” إلى “اقتصاد حرب طاقوي”، حيث تصبح الطاقة أداة ضغط سياسية وعسكرية، تمامًا كما حدث خلال أزمة النفط 1973 ولكن بأبعاد أكثر تعقيدًا.صراع العملات.. خلفية الحرب غير المعلنةالنفط ليس مجرد سلعة، بل أساس النظام المالي العالمي. فمنذ سبعينيات القرن الماضي تشكّل ما يعرف بـ “البترودولار”، أي تسعير النفط عالميًا بالدولار الأمريكي، ما منح الولايات المتحدة قوة مالية هائلة.لكن التوترات الحالية تفتح الباب أمام قوى دولية مثل الصين وروسيا لمحاولة تقويض هيمنة الدولار عبر:تسعير جزء من النفط بعملات بديلة.زيادة الاعتماد على الذهب.بناء أنظمة دفع خارج المنظومة الأمريكية.تعزيز الاحتياطيات السيادية من المعادن والطاقة.وهنا يتحول مضيق هرمز من ممر نفطي إلى عقدة مركزية في الصراع على النظام النقدي العالمي.الذهب يعود كملاذ استراتيجيكلما اهتزت الثقة بالممرات البحرية والعملات التقليدية، عاد الذهب إلى الواجهة. فالدول الكبرى اليوم لا تخزن الذهب باعتباره معدنًا فقط، بل كأداة تحوّط ضد:انهيار سلاسل التوريد.العقوبات المالية.اضطرابات الدولار.احتمالات الحرب الواسعة.لذلك فإن أي مواجهة طويلة في الخليج سترفع تلقائيًا الطلب على الذهب، وستدفع البنوك المركزية إلى إعادة تقييم احتياطاتها النقدية، ما يعزز التحول العالمي نحو “اقتصاد التحوط الجيوسياسي”.اتفاقيات أعالي البحار أمام اختبار تاريخيالأزمة الحالية تطرح سؤالًا جوهريًا: هل ما تزال اتفاقيات أعالي البحار قادرة على حماية التجارة الدولية في عصر الحروب الهجينة؟فالتهديدات الحديثة لم تعد تقتصر على إغلاق المضائق، بل تشمل:الطائرات المسيّرة.الهجمات السيبرانية على الموانئ.استهداف السفن التجارية.حرب التأمين والشحن.العقوبات الاقتصادية العابرة للحدود.وهذا يدفع العالم نحو إعادة صياغة مفهوم “الأمن البحري” نفسه، وربما إنشاء تحالفات بحرية جديدة تتجاوز الأطر التقليدية للأمم المتحدة.الأردن ومعادلات التحول الإقليميبالنسبة إلى الأردن، فإن أي اضطراب في هرمز يحمل أبعادًا اقتصادية وأمنية مباشرة، حتى مع وجود بدائل جزئية عبر ميناء العقبة وخطوط الطاقة الإقليمية.لكن الخطر الأكبر يتمثل في:ارتفاع كلف الطاقة عالميًا.اضطراب سلاسل الإمداد.ارتفاع تكاليف النقل والتأمين.انعكاسات التضخم العالمي على الاقتصاد المحلي.وفي المقابل، قد تفتح التحولات الجديدة فرصًا استراتيجية للأردن كممر لوجستي بديل ضمن مشاريع الربط الإقليمي والطاقة والنقل. أرى ان الصراع في مضيق هرمز لم يعد أزمة بحرية محدودة، بل أصبح مواجهة مفتوحة حول:مستقبل القانون البحري الدولي.حرية التجارة العالمية.هيمنة الدولار.إعادة تسعير الطاقة.دور الذهب في النظام النقدي القادم.توازنات القوة بين الشرق والغرب.العالم يدخل تدريجيًا مرحلة جديدة، حيث تعود الجغرافيا لتفرض نفسها فوق الاقتصاد، وتتحول البحار مرة أخرى إلى ساحات صراع تحدد شكل النظام الدولي القادم.مضيق هرمز.. حين يعود العالم إلى منطق البحار والقوة
مدار الساعة ـ