أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

قراءة نقدية في الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب 2026: بين التحول العقائدي وإعادة تعريف التهديد


د. سعود الشرفات
مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب في عمان الأردن

قراءة نقدية في الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب 2026: بين التحول العقائدي وإعادة تعريف التهديد

د. سعود الشرفات
د. سعود الشرفات
مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب في عمان الأردن
مدار الساعة ـ

تمثل الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026 والتي نشرت رسميا بتاريخ 6 مايو/أيار 2026 تحولًا لافتًا في الخطاب الأمني الأمريكي، ليس فقط من حيث تحديد التهديدات والأولويات، بل أيضًا في طبيعة اللغة السياسية والأيديولوجية المستخدمة في توصيف الخصوم وآليات المواجهة. فالوثيقة لا تكتفي بإعادة ترتيب أولويات مكافحة الإرهاب، وإنما تسعى إلى إعادة تعريف مفهوم “التهديد الإرهابي” ذاته، ضمن إطار فكري يرتبط بشعار “أمريكا أولًا” وفلسفة “السلام عبر القوة” التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وعلى خلاف العديد من الاستراتيجيات الأمريكية السابقة التي حاولت الحفاظ على لغة مؤسساتية أكثر توازنًا واحترافية، تتسم هذه الوثيقة بطابع سياسي وأيديولوجي واضح، يتجاوز أحيانًا المفهوم التقليدي لمكافحة الإرهاب بوصفه تهديدًا أمنيًا إلى اعتباره صراعًا حضاريًا وثقافيًا وسياسيًا متعدد الأبعاد. وهذا ما يجعل الوثيقة أقرب إلى “بيان استراتيجي-أيديولوجي” منه إلى استراتيجية تقنية أو أمنية بالمعنى البيروقراطي التقليدي.

أولًا: إعادة تعريف التهديد الإرهابي

تقوم الاستراتيجية على توسيع مفهوم الإرهاب ليشمل ثلاث فئات رئيسية:

1. التنظيمات الجهادية التقليدية مثل تنظيم داعش والقاعدة.

2. الكارتلات الإجرامية العابرة للحدود والجماعات المرتبطة بتهريب المخدرات.

3. الجماعات اليسارية الراديكالية والعنيفة داخل الولايات المتحدة.

هذا التوسيع يعكس تحولًا مهمًا في العقيدة الأمنية الأمريكية؛ إذ لم يعد الإرهاب مرتبطًا حصريًا بالتنظيمات الدينية المسلحة، بل أصبح يشمل طيفًا واسعًا من الفاعلين غير الدوليين - الأطراف الفاعلة من غير الدول - الذين يُنظر إليهم باعتبارهم تهديدًا للأمن القومي أو للاستقرار الداخلي الأمريكي.

غير أن هذا التوسع يثير إشكاليات مفاهيمية وقانونية؛ إذ إن الجمع بين الكارتلات الإجرامية، والتنظيمات الإرهابية، أو ما تصفه الاستراتيجية بالتنظيمات الجهادية ، والحركات السياسية الراديكالية ضمن إطار “الإرهاب” قد يؤدي إلى تمييع المفهوم القانوني والسياسي للإرهاب نفسه، (وهو مائع أصلا) وإلى توسيع صلاحيات الدولة الأمنية وزيادة مستويات الامنّنة بصورة قد تثير جدلًا داخليًا وخارجيًا حول حدود استخدام أدوات مكافحة الإرهاب.

ثانيًا: الانتقال من مكافحة الإرهاب إلى “الحرب الشاملة على التهديدات”. حيث تُظهر الوثيقة انتقالًا واضحًا من نموذج “إدارة التهديد” إلى نموذج “التحييد (neutralization) والاستئصال”. فالاستراتيجية تستخدم بصورة متكررة مفردات مثل “التحييد (neutralization)” و“التدمير الكامل (destruction)” و“الشلّ العملياتي (cripple operationally)” و“الحملات عالية الكثافة (high-intensity campaign

وهذا يعكس من وجهة نظري عودة قوية إلى المقاربة العسكرية-الهجومية التي سادت بعد هجمات 11 سبتمبر، مع فارق مهم يتمثل في دمج أدوات: الحرب السيبرانية،والعقوبات الاقتصادية،والعمليات السرية، والضربات الاستباقية العابرة للحدود.

كما تمنح الوثيقة أولوية كبيرة لما تسميه “التهديدات النصف كروية” في نصف الكرة الغربي، خاصة الكارتلات وشبكات التهريب، بما يعكس تحولًا في مركز الثقل الاستراتيجي الأمريكي من الشرق الأوسط جزئيًا نحو أمن الحدود والأمن الداخلي الأمريكي.

ثالثًا: البعد الأيديولوجي والاستقطاب السياسي الداخلي

من أكثر الجوانب إثارة للجدل في الوثيقة استخدامها لغة سياسية حادة تجاه الإدارات الأمريكية السابقة، وخصوصًا إدارة الرئيس جو بايدن ، حيث تتهمها ضمنيًا بـ”تسييس” أجهزة مكافحة الإرهاب واستخدامها ضد الخصوم السياسيين.

وتذهب الوثيقة إلى أبعد من ذلك حين تربط بعض أشكال العنف الداخلي بـ:“التطرف اليساري والأيديولوجيات الراديكالية المؤيدة للتحول الجندري والحركات الفوضوية مثل أنتيفا Antifa. التي تنشط في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول أوروبا خاصة ألمانيا وهي تيار يساري مناهض للفاشية والنازية والعنصرية، يضم مجموعات غير مركزية، وبعض أفراده أو مجموعاته يستخدمون أساليب احتجاجية عنيفة أحيانًا ضد اليمين المتطرف.

وصنفت في الاستراتيجية ضمن ما يسمى اليساريين المتطرفين العنيفين لكنها لم تصنف بالإرهاب داخل أمريكا.

هذا الخطاب يعكس بوضوح تداخل الأمني بالسياسي والثقافي، ويؤشر إلى أن الاستراتيجية لا تنظر إلى الإرهاب باعتباره تهديدًا خارجيًا فقط، بل باعتباره جزءًا من صراع داخلي حول هوية الدولة الأمريكية وقيمها الاجتماعية والثقافية.

ومن منظور نقدي، فإن إدخال الانقسامات الثقافية والحزبية في صلب استراتيجية مكافحة الإرهاب قد يحمل مخاطر تتعلق بتسييس المؤسسات الأمنية، وإضعاف التوافق الوطني حول تعريف التهديدات الحقيقية وأولويات الأمن القومي.

رابعًا: الإخوان المسلمون وإعادة هندسة مفهوم “الإسلاموية”

تتبنى الوثيقة رؤية تعتبر جماعة الإخوان المسلمين “الجذر الفكري للإرهاب الجهادي الحديث”، وتربط بين الإخوان وتنظيمات مثل القاعدة وداعش وحماس ضمن سياق أيديولوجي واحد.

كما تشير الوثيقة إلى تصنيف بعض فروع الجماعة، ومنها جماعة الإخوان المسلمين في الأردن ، كمنظمات إرهابية أجنبية.

هذا الطرح يمثل تحولًا ،أو اتجاهاً مهمًا جداً مقارنة المقاربات والاستراتيحيات الأمريكية السابقة التي كانت غالبًا تميز بين: الحركات الإسلامية السياسية،أو ما يسمى الإسلام السياسي، وما يسمى في معظم أدبيات الإرهاب العالمي الغربية بالتنظيمات الجهادية المسلحة.

غير أن هذه المقاربة تواجه تحديات عملية وقانونية ودبلوماسية، خاصة أن جماعة الإخوان المسلمين ليست تنظيمًا موحدًا عالميًا، بل شبكة معقدة ومتباينة من الحركات السياسية والاجتماعية تختلف من دولة إلى أخرى من حيث البنية والأهداف والعلاقة بالعنف.

كما أن تعميم التصنيف قد يخلق توترات مع حلفاء إقليميين ترتبط أنظمتهم السياسية أو البرلمانية أو الاجتماعية بدرجات متفاوتة بتيارات إسلامية ذات مرجعيات إخوانية.

خامسًا: إيران والعودة إلى الردع الصلب

تعيد الوثيقة تأكيد مركزية إيران في العقيدة الأمريكية لمكافحة الإرهاب، ليس فقط باعتبارها دولة راعية لجماعات مسلحة، بل باعتبارها تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا مرتبطًا بالصواريخ والبرنامج النووي والشبكات الإقليمية المسلحة.

ويلاحظ أن الاستراتيجية تعتمد مفهوم “الردع الهجومي”، من خلال التأكيد على:الضربات العسكرية المباشرة،العمليات السيبرانية،استهداف شبكات التمويل والإمداد، ومنع إيران من تطوير قدرات نووية.

وهذا يعكس استمرار الاتجاه الأمريكي نحو الجمع بين مكافحة الإرهاب واحتواء الخصوم الإقليميين ضمن إطار استراتيجي واحد.

سادسًا: أوروبا والهجرة والإسلاموية

تتبنى الوثيقة رؤية نقدية حادة تجاه السياسات الأوروبية المتعلقة بالهجرة والحدود المفتوحة، وتعتبر أن “الهجرة غير المنضبطة” وفرت بيئة مواتية للتطرف والإرهاب.

كما تربط بين ضعف الهوية الثقافية الأوروبية وصعود التهديدات الإرهابية، في خطاب يعكس بوضوح تأثير التيارات القومية والمحافظة الجديدة داخل الغرب.

ومن الناحية التحليلية، فإن هذا الخطاب يعكس تحولًا أوسع في الفكر الأمني الغربي، حيث أصبحت قضايا: الهوية، والهجرة، والاندماج، والتعددية الثقافية، مرتبطة بصورة متزايدة بالنقاشات الأمنية ومكافحة التطرف.

باعتقادي الشخصي ؛ أرى أن الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026 كشفت عن تحول عميق في طبيعة التفكير الأمني الأمريكي، في إدارة الرئيس ترامب يقوم على الدمج بين الأمن القومي والصراع الأيديولوجي والثقافي والسياسي. فهي لا تعيد فقط تعريف التهديدات، بل تعيد أيضًا تعريف وظيفة الدولة الأمنية وحدود استخدام القوة وأولويات السياسة الخارجية.

وفي حين تعكس الوثيقة رغبة واضحة في استعادة الردع الأمريكي واستخدام أدوات القوة بصورة أكثر حسمًا، فإنها تثير في الوقت نفسه أسئلة جوهرية حول:حدود تسييس مكافحة الإرهاب، ومستقبل الحريات المدنية، والعلاقة بين الأمن والديمقراطية، وإمكانية توسيع مفهوم الإرهاب بصورة قد تؤدي إلى تآكل الفوارق الدقيقة بين التهديدات الأمنية الحقيقية والصراعات السياسية والأيديولوجية الداخلية.

وبالتالي، فإن أهمية هذه الاستراتيجية لا تكمن فقط فيما تقوله عن الإرهاب، بل فيما تكشفه عن التحولات العميقة داخل الفكر السياسي والأمني الأمريكي نفسه، وعن طبيعة المرحلة الجديدة التي قد تشهد انتقالًا من الحرب العالمية على الإرهاب إلى حرب متعددة الجبهات ضد التهديدات الهجينة والعابرة للحدود والهويات. وهو أمر يحتم على كافة الأجهزة الأمنية في العالم خاصة في العالم العربي الانتباه له ومراقبته بدقة وحذر شديد.

مدار الساعة ـ