أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أكاديمي ومهندس يقدمان أسباباً مقنعة لتكون محطة تحلية الناقل الوطني في الكرك

مدار الساعة,أخبار الأردن,اخبار الاردن,أخبار اقتصادية,الحسين بن طلال,درجات الحرارة,البحر الميت
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - دعا البروفيسور محمد الفرجات أستاذ جيولوجيا المياه والبيئة والاستكشاف الجيوفيزيائي في جامعة الحسين بن طلال، والمهندس أحمد الكساسبة المستشار في مجال الهندسة المدنية في العقبة، وفي رؤية علمية استراتيجية لحماية خليج العقبة وإنعاش البحر الميت وتحقيق تكامل مائي–طاقي–بيئي للأردن، لتكون محطة تحلية مشروع الناقل الوطني في الكرك لا في العقبة.

وجاء في تصريحهما ما يلي:

يمثل مشروع الناقل الوطني لتحلية المياه أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في تاريخ الأردن الحديث، إذ يهدف إلى تحلية نحو 300 مليون متر مكعب سنوياً لمواجهة الفقر المائي الحاد الذي يهدد الأمن الوطني الأردني.

لكن السؤال العلمي الأهم ليس فقط: كيف نؤمن المياه؟

بل أيضاً: أين يجب أن تقام محطة التحلية حتى لا نخلق كارثة بيئية جديدة ونحن نحاول حل أزمة المياه؟

إن الرؤية التقليدية التي تقترح إقامة محطة التحلية في العقبة تبدو للوهلة الأولى منطقية بحكم قربها من البحر، لكنها عند التحليل العلمي الهيدرولوجي والبيئي العميق قد تكون خياراً عالي المخاطر على المدى البعيد، ليس فقط على خليج العقبة، بل على السياحة والبيئة البحرية والاقتصاد الوطني بأكمله.

وفي المقابل، فإن نقل محطة التحلية إلى منطقة الكرك، مع الاكتفاء بضخ مياه البحر الخام من العقبة إليها، قد يمثل الحل الهندسي–البيئي الأكثر ذكاءً واستدامة للأردن.

أولاً: الخطر الحقيقي لتحلية 300 مليون متر مكعب سنوياً في العقبة

محطات التحلية لا تنتج ماءً عذباً فقط، بل تنتج أيضاً ما يعرف بـ "البراين" (Brine)،

وهو محلول ملحي عالي التركيز يحتوي على:

أملاح مركزة جداً.

ارتفاع في درجات الحرارة.

بقايا كيماويات المعالجة.

تركيزات مرتفعة من المعادن الثقيلة أحياناً.

انخفاض في الأكسجين الذائب.

علمياً، فإن تحلية كل 1 متر مكعب من المياه العذبة تحتاج تقريباً إلى سحب نحو 2 متر مكعب من مياه البحر، بحيث ينتج:

1 متر مكعب ماء محلى.

1 متر مكعب براين شديد الملوحة.

وهذا يعني أن مشروعاً بحجم 300 مليون متر مكعب سنوياً سيؤدي تقريباً إلى:

سحب نحو 600 مليون متر مكعب من مياه خليج العقبة سنوياً.

وإعادة نحو 300 مليون متر مكعب من البراين المركز إلى الخليج.

وهنا تكمن المشكلة الكبرى.

ثانياً: خليج العقبة نظام بحري شديد الحساسية وليس محيطاً مفتوحاً

خليج العقبة ليس بحراً مفتوحاً واسع الخلط، بل هو:

خليج ضيق وطويل.

شبه مغلق.

محدود التجدد المائي مقارنة بالمحيطات.

يتمتع بنظام بيئي دقيق جداً.

يحتوي على شعاب مرجانية نادرة عالمياً تتميز بقدرتها الفريدة على تحمل الحرارة.

لكن هذه المرجان ليست قادرة لتحمل الارتفاع المستمر في الملوحة والكثافة الكيميائية الناتجة عن تصريف كميات هائلة من البراين لعقود متتالية.

ومع الزمن، فإن تراكم البراين قرب القاع يؤدي إلى:

زيادة الملوحة المحلية.

خنق الكائنات القاعية.

اضطراب التوازن الأسموزي للكائنات البحرية.

تراجع التنوع الحيوي.

تضرر الشعاب المرجانية.

تشكل "مناطق ميتة" قليلة الأكسجين.

ومع استمرار التصريف لعشرات السنوات قد يتحول الخليج تدريجياً إلى بيئة أكثر ملوحة وأقل حيوية، خصوصاً في مناطقه الجنوبية الضيقة.

الخطر هنا ليس فورياً بل تراكمي بطيء… وهذا أخطر أنواع المخاطر البيئية.

ثالثاً: العقبة مدينة سياحية بيئية حساسة جداً

العقبة ليست مجرد مدينة صناعية، بل الواجهة البحرية والسياحية الوحيدة للأردن.

وتقوم جاذبيتها على:

صفاء المياه.

الغوص والشعاب المرجانية.

السياحة البيئية.

التنوع البحري الفريد.

السمعة البيئية العالمية.

وأي تراجع بيئي في الخليج سينعكس مباشرة على:

قطاع الغوص.

الفنادق والمنتجعات.

الاستثمار السياحي.

القيمة العقارية الساحلية.

سمعة الأردن البيئية.

ومن غير المنطقي استراتيجياً أن نحل أزمة المياه الوطنية عبر تعريض الرئة البحرية والسياحية الوحيدة للأردن لمخاطر طويلة الأمد.

رابعاً: لماذا الكرك تمثل الموقع الأذكى لمحطة التحلية؟

الكرك ليست بعيدة هندسياً عن المشروع، بل قد تكون الموقع الأمثل إذا أعيد التفكير بالمشروع بمنطق تكاملي شامل.

الفكرة ببساطة تقوم على:

ضخ مياه البحر الخام من العقبة شمالاً.

إقامة محطة التحلية على المرتفعات قرب الكرك.

استغلال البراين الناتج بإسقاطه نحو البحر الميت.

تحويل المشكلة البيئية إلى فرصة وطنية متعددة الفوائد.

خامساً: تحويل البراين من ملوث إلى مورد استراتيجي

بدلاً من إعادة البراين إلى خليج العقبة، يمكن توجيهه نحو:

البحر الميت

وهنا تتحقق فوائد هائلة:

1. إنعاش البحر الميت

البحر الميت يهبط بمعدل خطير نتيجة التبخر وتراجع التدفقات النهرية.

وضخ مئات ملايين الأمتار المكعبة من البراين إليه سنوياً قد:

يبطئ الانخفاض.

يساعد في استقرار المنسوب.

يقلل توسع الحفر الانهدامية.

يحافظ على البنية السياحية والاستثمارية.

2. دعم صناعات البوتاس والأملاح

البراين ليس "نفايات"، بل محلول غني بالأملاح والمعادن.

وهذا قد يفيد صناعات:

البوتاس.

البرومين.

الأملاح الصناعية.

المعادن النادرة مستقبلاً.

أي أن المشروع قد يتحول إلى مشروع اقتصاد دائري متكامل.

سادساً: توليد الطاقة من فرق الارتفاع

بين مرتفعات الكرك والبحر الميت يوجد فرق ارتفاع هائل.

وهذا يتيح إمكانية:

إنشاء توربينات مائية.

استرداد جزء من الطاقة.

تقليل كلفة التشغيل.

إنشاء نموذج "تحلية–طاقة–تنمية" متكامل.

أي أن البراين نفسه قد يتحول إلى أداة لتوليد الكهرباء بدلاً من أن يكون عبئاً بيئياً.

سابعاً: حماية الخزان الجوفي الشرقي للبحر الميت، والحد من تكون الحفر الهابطة على شواطيء البحر الميت.

وهذه من أخطر القضايا غير المطروحة إعلامياً بما يكفي.

فهبوط منسوب البحر الميت أدى إلى هبوط الحد الهيدروديناميكي الفاصل بين:

المياه المالحة، والمياه الجوفية العذبة شرق البحر الميت.

والنتيجة أن كميات ضخمة من المياه الجوفية العذبة تتسرب سنوياً نحو البحر الميت لتعويض فرق الضغط.

وتشير تقديرات علمية إلى أن الفاقد قد يصل إلى نحو 100 مليون متر مكعب سنوياً من الجانب الأردني.

أي أن انخفاض البحر الميت لا يهدد البحر نفسه فقط، بل يستنزف أيضاً المخزون الجوفي الوطني.

رفع منسوب البحر الميت أو حتى إبطاء هبوطه قد يساعد في:

تقليل هذا التسرب.

حماية الأحواض الجوفية.

إبطاء تملح المياه العذبة.

حماية الأمن المائي الأردني مستقبلاً.

ومنع تكون الحفر الهابطة على شواطيء البحر الميت عند تثبيت الحد الهايدروديناميكي بين المياه العذبة والمالحة في الطبقات الملحية السفلى تحت الشواطيء،،،

حيث أن عملية تكون الحفر الهابطة تهدد المشاريع السياحية والصناعية هندسيا.

ثامناً: الرؤية الجديدة المطلوبة للأردن

الأردن لا يحتاج مشروع تحلية فقط…

بل يحتاج مشروعاً وطنياً ذكياً متعدد الوظائف يحقق:

الأمن المائي.

الحماية البيئية.

إنعاش البحر الميت.

استرداد الطاقة.

دعم الصناعات التعدينية.

حماية السياحة البحرية.

حماية المياه الجوفية.

وهذا لا يتحقق عبر التفكير التقليدي الذي يعامل البراين كنفايات يجب التخلص منها في البحر.

بل عبر اعتباره مورداً استراتيجياً يمكن توظيفه وطنياً.

إن إقامة محطة التحلية في العقبة قد تبدو أسهل هندسياً على الورق، لكنها قد تنقل للأردن مشكلة بيئية مؤجلة ذات آثار تراكمية خطيرة على خليج العقبة والشعاب المرجانية والسياحة البحرية.

أما نقل محطة التحلية إلى الكرك، مع ضخ مياه البحر الخام فقط من العقبة، فقد يحول المشروع من مجرد ناقل مياه إلى مشروع وطني تكاملي يعالج ثلاث أزمات أردنية دفعة واحدة:

الفقر المائي،

وتدهور البحر الميت،

واستنزاف الخزانات الجوفية.

إن الدول العظيمة لا تبحث عن الحل الأسرع فقط…

بل عن الحل الذي يبقى آمناً وذكياً بعد خمسين عاماً.


مدار الساعة ـ