أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

خبايا النعم

مدار الساعة,شؤون دينية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

كلّنا يعرف خبيئةَ الأعمال.. ذلك العمل الصالح الذي تُخفيه عن العيون؛ الصدقةُ التي تمشي بها في الليل وحدك، والدمعةُ التي تسقط في السجود ولا يراها أحد، والدعاءُ الذي تُردّده في سرّك لأناسٍ لا يعلمون أنك تذكرهم. لكنّ البارحة، وأنا في وسط مشكلة أثقلت صدري وملأت تفكيري، أُهديتُ فجأةً إلى مسألةٍ لم تكن في حسباني.. (خبايا النعم) فكما أنّ في الحياة مصائبَ خفيّة لا يعلمها إلا صاحبها، وهمومًا تسكن الصدر ولا تجد طريقها إلى الكلام.. فإنّ فيها أيضًا نعمًا خفيّة لا يعلمها إلا صاحبها، وسعاداتٍ صامتة تسكن القلب بلا ضجيج. فما هي؟ من الناس من نعمته فهمٌ يفتح له أبوابًا يقف أمامها غيره حائرًا. ومن الناس من نعمته حفظٌ يُثبّت ما يتساقط من ذاكرة سواه. ومن الناس من نعمته رزقٌ يأتيه ميسورًا في وقتٍ يشكو فيه كثيرون من الضيق. ومن الناس من نعمته قلبٌ يجد طريقه إلى الرضا حين تضيق الأحوال. ومن الناس من نعمته صاحبٌ واحد يفهمه، لا يحتاج معه إلى شرح ولا إلى تبرير. ومن الناس من نعمته قبولٌ في القلوب، يدخل به إلى الناس دون أن يطلب. ومن الناس من نعمته يُسرٌ في العبادة، يجد في الصلاة راحةً حين يجدها غيره ثِقَلًا، ويجد في الدعاء أُنسًا حين يجد غيره جفافًا. ومن الناس من نعمته عافيةٌ في جسده لا يشعر بها إلا حين يرى من يشكو ألمه في صمت. ومن الناس من نعمته بيتٌ فيه سكينة، لا يعرف قيمتها إلا من بات في بيتٍ بلا أمان. نعمٌ لم يطلبها أحدٌ بالاسم، ولم يسعَ إليها بجهد، وُهب إياها كما يُورَث الكنز دون أن تتعب يدٌ في استخراجه.. ثم يحزن على ريالٍ ضاع منه في الطريق. كلما تذكّر المرءُ نعمةً خرج من قلبه: "الحمد لله"، أبرد من الثلج، وأهدأ من كل ما يعتمل في داخله من هموم. استحييتُ والله من حزني. وفي تلك اللحظة أدركتُ أنّ قلبي انتقل دون أن يستأذن.. انتقل من مقام وجوب الصبر على ما أصابه، إلى مقام وجوب الشكر على ما أُوتيَ. وكأنّ النعمة حين تُذكر تُعيد للقلب موازينه، فلا يعود يرى ما فقد إلا في ظل ما وُهب. قلتُ لنفسي: كما تُخفي عملك الصالح شكرًا لله أن وفّقك، فأخفِ شكرك على نعمته أيضًا، لا تُعدّدها على الناس، بل عُد إليها وحدك حين يضيق صدرك، فهي كنزك الذي لا يعرفه أحد. كأنّ هذه النعم من كدّ ذهنك لتحزن على خُفوت جزءٍ منها ! فرفعتُ يديّ وقلت: ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتَ عليّ.. يا ربِّ وأنت الكريم؛ لا تحرمنا نعمةً نسيناها لأنّا ألفناها.


مدار الساعة ـ