لا تبدأ الحروب اليوم بصوت المدافع… بل ببيان صحفي.
وفي 28 فبراير 2026، لم تكن “الغضب الملحمي” مجرد عملية عسكرية أطلقتها الولايات المتحدة ضد إيران، بل كانت إعلانًا صريحًا بأن قواعد الاشتباك في المنطقة لم تعد كما كانت. ستّون يومًا فقط كانت كافية لتتحرك الطائرات، تُقصف المواقع، تُعاد صياغة خطوط الردع، ثم يُعلن الانتهاء وكأن شيئًا لم يكن.لكن في السياسة كما في الحرب، أخطر ما يُقال ليس ما يحدث… بل ما يُعلن أنه انتهى.وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل انتهت “الغضب الملحمي” فعلًا؟ أم أنها انتهت فقط على الورق؟أولًا: ضربة البداية… أكثر من مجرد رد عسكريإن الضربة لم تكن عشوائية ولا محدودة. منذ اللحظة الأولى، فقد استهدفت:- مراكز القيادة والسيطرة- الدفاعات الجوية- البنية الصاروخية- قواعد المسيّراتهذا ليس “ردًا”، بل تفكيك منظومة.الهدف الحقيقي لم يكن إسكات تهديد، بل إعادة تعريف من يملك حق التهديد أصلًا.وهنا تتقاطع العملية مع نمط أمريكي معروف:حروب قصيرة زمنيًا، عميقة تأثيرًا، ومفتوحة النتائج.ثانيًا: الأهداف… بين اللغة العسكرية والهندسة السياسيةفي ظاهرها، بدت الأهداف عسكرية. لكن في جوهرها، كانت محاولة لـ:- إعادة فرض الردع- كسر قواعد الاشتباك غير المكتوبة- دفع إيران نحو سلوك إقليمي أكثر انضباطًا- وإرسال رسالة مزدوجة إلى العالم، من روسيا إلى الصين: واشنطن لا تزال قادرة على المبادرة، لا فقط الردهذه ليست عملية عسكرية… بل رسالة جيواستراتيجية مغلّفة بالصواريخ.ثالثًا: ستّون يومًا… أم سقف قرار؟امتدت العملية قرابة 60 يومًا.رقم يبدو عسكريًا… لكنه في الحقيقة قانوني - سياسي بامتياز.في النظام الأمريكي، هذا هو الحد الذي يبدأ عنده ضغط الكونغرس، وتتقاطع فيه الشرعية مع الحسابات الانتخابية.بمعنى أدق:الزمن هنا لم يكن زمن المعركة… بل زمن القرار.وهذا يفسر لماذا انتهت العملية عندما انتهت… لا عندما انتهت أهدافها.رابعًا: ماذا حققت واشنطن؟ (النصر التكتيكي)لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة:- ضربت بدقة- أربكت البنية العسكرية الإيرانية- أعادت رسم خطوط الردع مؤقتًا- وأثبتت تفوقها العملياتيهذا نصر تكتيكي واضح.لكنه يظل محكومًا بسؤال واحد: كم يدوم؟خامسًا: ماذا خسرت إيران… وماذا ربحت؟ (اللا هزيمة الاستراتيجية)تلقت إيران ضربة قاسية، لكن:- لم ينهَر نظامها- لم تتفكك شبكاتها الإقليمية- لم تُجبر على اتفاق إذعانبل خرجت بحقيقة واحدة خطيرة:يمكنها أن تُضرب… وتبقى.وفي ميزان الصراعات الطويلة، هذا ليس تفصيلًا… بل عقيدة.سادسًا: المقارنة التي لا تريدها واشنطنهذه ليست المرة الأولى التي تعلن فيها الولايات المتحدة “نصرًا سريعًا”:- في العراق: سقط النظام… وبدأت الفوضى- في أفغانستان: انتهت الحرب… وعادت طالبان- في ليبيا: نجحت الضربة… وغابت الدولة“الغضب الملحمي” لا يشبه هذه الحالات بالكامل…لكنه ينتمي إلى نفس المدرسة:انتصارات البداية التي لا تضمن نهاياتهاسابعًا: ماذا عن العالم؟ الرسائل الأبعدإن ما جرى لم يكن موجهًا فقط إلى إيران، بل إلى:- روسيا: بأن واشنطن لا تزال لاعبًا مباشرًا- الصين: بأن طرق التجارة والطاقة ليست خارج نطاق القوة- وحلفاء المنطقة: بأن المظلة الأمنية لا تزال قائمة… لكن بشروط جديدةأي أن العملية كانت أيضًا إعادة تموضع في النظام الدولي.وفي الختام، لابد أن نسأل: من انتصر؟- الولايات المتحدة انتصرت… لأنها ضربت وأعادت المبادرة- إيران لم تُهزم… لأنها صمدت واحتفظت بجوهر قوتهاوهنا تكمن الحقيقة التي لا تُقال:حين يعلن الطرفان النصر… فالمعركة لم تُحسم بعد.انتهت “الغضب الملحمي” كعملية… لكنها لم تنتهِ كمعادلة.ما جرى خلال ستين يومًا لم يكن حربًا مكتملة،بل إعادة كتابة لقواعد حرب قادمة.والسؤال الذي سيبقى يلاحق هذا “النصر”:إذا كانت هذه هي النهاية…فلماذا يبدو الجميع وكأنهم يستعدون للبداية؟المجالي يكتب: حرب الستين يومًا “الغضب الملحمي”: من ضربة البداية إلى إعلان النصر… من انتصر فعلًا: الولايات المتحدة أم إيران؟
مؤيد المجالي
المجالي يكتب: حرب الستين يومًا “الغضب الملحمي”: من ضربة البداية إلى إعلان النصر… من انتصر فعلًا: الولايات المتحدة أم إيران؟
مدار الساعة ـ