أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الخصاونة يكتب: خطاب المومني يؤسس لمعادلة دقيقة للبيئة الإعلامية الأردنية


محمد حافظ الخصاونة

الخصاونة يكتب: خطاب المومني يؤسس لمعادلة دقيقة للبيئة الإعلامية الأردنية

مدار الساعة ـ

يحاول خطاب وزير الاتصال الحكومي، الناطق الرسمي باسم الحكومة، الدكتور محمد المومني، أن يؤسس لمعادلة دقيقة طالما شكّلت محور النقاش في البيئة الإعلامية الأردنية: كيف يمكن صون حرية التعبير بوصفها حقًا أصيلًا، دون أن تتحول إلى مساحة للفوضى أو الإضرار بالمجتمع؟

من الواضح أن الرسالة الأساسية في هذا الطرح تنطلق من تأكيد راسخ على أن الحريات الإعلامية ليست طارئة على التجربة الأردنية، بل هي جزء من مسار الدولة منذ نشأتها.

هذا التأكيد يحمل بعدًا سياسيًا مهمًا، إذ يسعى إلى تثبيت سردية مفادها أن الحرية ليست منحة ظرفية، بل مكوّن بنيوي في النظام العام. غير أن هذا الطرح، رغم أهميته، يفتح الباب أمام تساؤل مشروع: هل مستوى الممارسة الحالية يعكس فعلًا هذا الامتداد التاريخي، أم أن الفجوة بين النص والتطبيق ما تزال قائمة في بعض الجوانب؟

في المقابل، يطرح الوزير مفهوم “التوازن بين الحرية والمسؤولية” بوصفه الإطار الحاكم للعمل الإعلامي.

هذا المفهوم، على وجاهته، يظل فضفاضًا نسبيًا ما لم يُضبط بمعايير واضحة.

فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الإقرار بضرورة التوازن، بل في تحديد حدوده: متى تكون الممارسة تعبيرًا مشروعًا، ومتى تُعدّ تجاوزًا؟ ومن الجهة التي تملك سلطة هذا التقييم؟ هنا تحديدًا تتقاطع السياسة مع القانون، وتتطلب المسألة قدرًا عاليًا من الشفافية لضمان عدم استخدام هذا المفهوم بشكل انتقائي.

اللافت أيضًا هو إدراج التحولات الرقمية ضمن سياق التحديات الراهنة.

فالإشارة إلى “التدفق الهائل للمعلومات” تعكس إدراكًا رسميًا بأن البيئة الإعلامية لم تعد تقليدية، وأن المواطن لم يعد متلقيًا سلبيًا بل فاعلًا ومنتجًا للمحتوى.

هذا التحول يفرض بالفعل إعادة تعريف أدوار الدولة والإعلام معًا، ويجعل من التربية الإعلامية والمعلوماتية ضرورة لا ترفًا.

غير أن نجاح هذه الجهود يبقى مرهونًا بمدى وصولها إلى مختلف فئات المجتمع، وليس الاكتفاء بإطار نظري أو برامج محدودة الأثر.

وفي سياق الحديث عن التشريعات، يبرز طرح مهم يتمثل في أن القوانين، خصوصًا تلك المرتبطة بالفضاء الرقمي، تهدف إلى “حماية الحريات لا تقييدها”.

هذه نقطة مركزية، لكنها أيضًا الأكثر إثارة للجدل في أي نقاش عام. فالتجارب الدولية تُظهر أن التشريعات قد تتحول، في بعض الأحيان، إلى أدوات تضييق إذا لم تُصغ وتُطبّق بحساسية عالية تجاه حرية التعبير. لذلك، فإن معيار النجاح الحقيقي لهذه القوانين لا يكمن في نصوصها فقط، بل في كيفية تنفيذها، وضمان استقلالية الجهات المعنية بتطبيقها.

كما أن التأكيد على أن غالبية القضايا ذات الطابع الإعلامي هي بين أفراد، وليس للدولة دور مباشر فيها، يحمل دلالة على محاولة إعادة توجيه النقاش العام بعيدًا عن فكرة “تقييد الحريات من الأعلى”.

إلا أن هذا الطرح يستدعي بدوره نقاشًا أعمق حول البيئة القانونية ككل، ومدى تأثيرها غير المباشر على سلوك الأفراد والمؤسسات الإعلامية.

في المحصلة، يعكس خطاب المومني مقاربة تسعى إلى التوفيق بين ضرورات الانفتاح الإعلامي ومتطلبات الاستقرار المجتمعي.

وهي مقاربة تبدو منطقية في سياق إقليمي ودولي معقد، لكنها تظل بحاجة إلى ترجمة عملية مستمرة تعزز الثقة بين المواطن والمؤسسات.

فحرية التعبير لا تُقاس فقط بوجودها في النصوص، بل بمدى شعور الأفراد بقدرتهم على ممارستها بأمان، وفي إطار من الوضوح القانوني والعدالة.

إن التحدي الأكبر اليوم لا يكمن في إعلان المبادئ، بل في ترسيخها كواقع يومي ملموس، حيث يصبح الإعلام مساحة حقيقية للنقاش المسؤول، لا ساحة للصراع أو التقييد، وبما يليق بطموحات الدولة والمجتمع معًا.

مدار الساعة ـ