ليست ذاكرة الدولة الأردنية مجرد سرد تاريخي للأحداث، بل هي تراكم نضالي شكّل ملامح العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الحاكم والمحكوم. وفي هذا السياق، تبرز قبيلة العدوان كإحدى القوى الاجتماعية التي لم تقبل اختلال ميزان العدالة، حين تحوّل العامل إلى أداة إنتاج بلا كرامة، وبلا أجر.
ما يُستعاد اليوم من روايات “توليم العمال” والعمل القسري، ليس تفصيلاً عابراً في تاريخ محلي، بل مؤشر على مرحلة كانت فيها السلطة تُمارس خارج إطار الدولة الحديثة، حيث اختلطت الجباية بالقهر، والعمل بالإكراه. وقد جاءت ثورة العدوان لتكسر هذه المعادلة، وتؤسس لوعي مبكر بأن الكرامة الاقتصادية جزء لا يتجزأ من الكرامة السياسية.لم تكن تلك الثورة مجرد مواجهة مع حاكم أو إدارة محلية، بل كانت لحظة مفصلية في إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والأرض، بين الفلاح والإنتاج، وبين المجتمع والسلطة. لقد قالت العدوان، بوضوح مبكر، إن العمل بلا أجر هو شكل من أشكال الاستعباد، وإن فرض القوة على لقمة العيش هو انتهاك لجوهر العدالة.اليوم، وبعد مرور قرن تقريباً، يبدو المشهد مختلفاً في الشكل، لكنه يطرح أسئلة مشابهة في الجوهر. في الأردن، لم يعد العامل يُساق إلى الأرض قسراً، ولم تعد الحراثة تُفرض بالقوة، لكن التحدي انتقل إلى مستوى آخر: مستوى الحريات الاقتصادية، وعدالة التمثيل، وحدود التدخل في الفضاء المهني.لقد أفرزت التحولات التي أعقبت الربيع العربي واقعاً مركباً، حيث تعاظم هاجس الاستقرار، وتقدمت المقاربة الأمنية على حساب المساحات المدنية في بعض الأحيان. وهنا، لم يعد السؤال: هل يُجبر العامل على العمل؟ بل أصبح: هل يمتلك العامل القدرة على الدفاع عن حقوقه بحرية؟إن اختلال ميزان القوة اليوم لا يظهر في صورته الفجة كما في الماضي، بل يتسلل عبر أدوات أكثر نعومة: تضييق على العمل النقابي، هشاشة في بعض القطاعات كالأعمال الزراعية واليومية، وتداخل بين الاقتصادي والأمني في إدارة بعض الملفات. وهي معادلة إن استمرت، قد تُنتج احتقاناً صامتاً، لا يقل خطورة عن الاحتقان الصريح في الأزمنة السابقة.وفي الإقليم، لا يمكن فصل هذه التحولات عن البيئة الاستراتيجية الأوسع. فالتوترات المرتبطة بـ مضيق هرمز، وصراع النفوذ الذي تقوده إيران، تعيد تشكيل أولويات الدول، وتدفعها أحياناً نحو تغليب الأمن على ما سواه. لكن الخطر يكمن حين تتحول هذه الأولويات إلى مبرر دائم لتقييد الفضاءات المدنية والاقتصادية.إن الدرس الذي يمكن استخلاصه من تجربة العدوان، ليس في التمرد بحد ذاته، بل في جوهره: الدفاع عن العدالة بوصفها أساس الاستقرار. فالدولة التي تحمي حق العامل في صوته، كما تحمي حقه في أجره، هي دولة تبني استقراراً طويل الأمد، لا استقراراً مؤقتاً تحرسه القبضة.بين الأمس واليوم، تتغير الأدوات، لكن يبقى المبدأ ثابتاً: لا كرامة لمجتمع يُنتقص فيه حق العمل، ولا استقرار لدولة تُختزل فيها الحريات. ومن هنا، فإن استحضار تاريخ العدوان ليس استدعاءً للماضي، بل قراءة في الحاضر، وتنبيه لمستقبل لا يحتمل إعادة إنتاج الظلم، ولو بأشكال أكثر هدوءاً.العدوان يكتب: من كسر سطوة العمل القسري إلى سؤال الحريات في زمن القبضة الناعمة
الدكتور علي فواز العدوان
العدوان يكتب: من كسر سطوة العمل القسري إلى سؤال الحريات في زمن القبضة الناعمة
مدار الساعة ـ