أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العمرو يكتب: سماء آذار وسقوط الأقنعة


نضال الثبيتات العمرو

العمرو يكتب: سماء آذار وسقوط الأقنعة

مدار الساعة ـ

صوت الانفجارات سُمِع بوضوح في عمّان ليلة 28 فبراير / شباط 2026، بعد أن أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن إيران أطلقت أكثر من 300 مسيّرة وصاروخ باتجاه إسرائيل، واستهدفت بعضها أجواء واراضي الأردن ودول خليجية قبل اعتراضها؛ وزارة الدفاع الأميركية تحدثت يومها عن 170 طائرة مسيّرة و30 صاروخ كروز و120 صاروخاً باليستياً؛ في الأردن، أعلن الجيش اعتراض عدد من المسيّرات والصواريخ التي دخلت المجال الجوي حفاظاً على سلامة المواطنين؛ كانت ليلة ثقيلة؛ كثيرون لم يناموا.

في تلك الساعات، امتلأت منصة X بمواقف متباينة؛ بعض الحسابات أبدت ارتياحاً واضحاً للضربات الإيرانية، واعتبرتها رسالة ردع؛ قرأت بنفسي تعليقات تشمت بدول عربية لأنها دافعت عن سيادتها واعترضت الصواريخ والمسيرات التي كانت تستهدف مواطنيها؛ لم يكن الأمر تحليلاً بارداً فقط، بل فرحاً صريحاً عند البعض؛ وهذا ما أثار غضب شريحة واسعة هنا في عمّان والرياض وأبوظبي والكويت والدوحة والمنامة ومسقط.

بالأمس 29 نيسان/أبريل 2026 كتب وزير الإعلام الأردني الأسبق سميح المعايطة على منصة X

"من ساندوا العدوان الفارسي على الاردن ودول الخليج العربي وفرحوا به وربما شمتوا بالدول المعتدى عليها سيجدون اجابة صادمة اذا كان لهم قضية او قضايا ويذهبون لطلب المساندة من تلك الدول، وعليهم الاجابة على سؤال خلفته المرحلة "لماذا تعاطفتم مع عدونا".. من اثار مرحلة الحرب اسئلة كثيرة لمن خذل امته."

الكلام كان مباشراً؛ لا مجاملات فيه؛ والسؤال الذي طرحه لم يكن نظرياً؛ قبل المواجهات الأخيرة وخلالها صرّح وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي بأن "الأردن لن يسمح بأن تكون أجواؤه ساحة لتصفية الحسابات"؛ الموقف كان واضحاً ومعلناً؛ ورغم ذلك الا ان ردود الفعل لذيول طهران في المنطقة كانت متعاطفة مع القصف صادمة لجزء من الرأي العام.

أنا شخصياً تابعت النقاشات في مجموعات واتساب تضم إعلاميين وناشطين من ثلاث دول خليجية؛ في اليوم العاشر للمواجهات، كتب أحدهم؛ "لن ننسى من شمت بنا الليلة"؛ الجملة قصيرة، لكنها تختصر مزاج عام تشكّل بسرعة؛ وكان الرد من أحد تجار القضية الفلسطينية "تستاهلوا.. هذا جزاء قتلى غزة" المسألة لم تعد سجالاً على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي؛ صارت مسألة ثقة.

الأرقام مهمة هنا؛ وفق بيانات رسمية، أطلقت إيران في هذه الحرب ما لا يقل عن 5655 صاروخ وطائرة مسيّرة على الدول العربية في المنطقة، استهدفت قواعد عسكرية ومرافق نفطية وبنى تحتية مدنية واقتصادية في كل من البحرين والكويت والإمارات والسعودية وقطر والأردن؛ فمن الطبيعي ان تشارك الدفاعات الجوية لكل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة الأردنية الهاشمية في اعتراض الهجمات الموجهة ضد دولها، وتحدثت وزارات الدفاع للدول العربية المستهدفة عن نجاح واسع في إسقاط معظم المقذوفات والمسيرات قبل وصولها لأهدافها؛ هذا الدفاع العسكري لم يكن حدث عادي؛ هو حق معلن لحماية أجواء وسيادة الدول؛ لكن عندما يحتفي شخص بسقوط صاروخ في محيط دولة عربية، فهو عملياً يحتفي بخرق سيادتها؛ هكذا يُفهم الأمر في العواصم المعنية.

والمشكلة أن بعض من برروا الضربات هم أنفسهم ناشطون في قضايا إقليمية أخرى، ويطالبون بدعم سياسي ومالي وإعلامي من الدول ذاتها؛ هنا يظهر التناقض بشكل عملي جداً؛ كيف يمكن أن تطلب دعم ممن اعتبرت أمنه تفصيل ثانوي؟ السؤال ليس فلسفياً؛ هو سؤال علاقات بين دول ومجتمعات؛ والادهى بين أشقاء يجمعهم ما لا يجمع أي تجمع دولي في العالم.

في لقاء مغلق عُقد في احدى المدن العربية أواخر آذار 2026، بحسب ما نقل لي أحد الحضور، قال مسؤول خليجي: "الخلاف السياسي مفهوم، لكن الفرح بصاروخ يستهدف مدننا شيء آخر، خاصة ونحن نسعى لمساعدتك على مستوى دولي سواء سياسي او اغاثي"؛ العبارة كانت واضحة؛ هناك خط أحمر يتعلق بالأمن المباشر للدول والشعوب.

قد يقال إن الغضب من سياسات واشنطن أو من مواقف بعض الحكومات العربية هو ما دفع إلى تلك المواقف؛ ربما؛ لكن الفارق كبير بين انتقاد سياسة، وتبرير استهداف عسكري يعرض حياة ملايين المدنيين للخطر؛ هذه ليست مسألة شعارات؛ إنها مسألة أمن يومي (مدارس، مطارات، أحياء سكنية)؛ فهؤلاء شعوب لدول ذات سيادة عبر التاريخ وليسوا اتباع تنظيمات واجندات تتاجر وتعتاش على حقوق شعبها وقضيته العادلة؛ فذاكرة السياسة ليست قصيرة كما يظن البعض، و أثر الحدث يستمر سنوات في حسابات الأمن والتحالفات؛ فالمواقف تُسجّل، وقد تعود للواجهة عند أول طلب دعم في ملف إقليمي جديد.

كلام المعايطة وضع إصبعه على الجرح الحقيقي؛ المسألة ليست مطالبة باعتذار علني، بل تفسير صريح؛ لماذا تعاطف بعض العرب مع قصف طال أجواء دول عربية؟ سؤال بسيط؛ والإجابة عنه أصعب مما يبدو؛ خاصة وان قياداتهم تشتهر بالقفزات الهوائية البهلوانية، وادواتهم بتقمص التقية.

مدار الساعة ـ