أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

هندسة القطاع العام: من التنظير المنفصل إلى التعددية الميدانية


د. محمد المعاقبة
كلية الحقوق - الجامعة الأردنية

هندسة القطاع العام: من التنظير المنفصل إلى التعددية الميدانية

د. محمد المعاقبة
د. محمد المعاقبة
كلية الحقوق - الجامعة الأردنية
مدار الساعة ـ

إن إعادة بناء الإدارة العامة في الأردن لم تعد ترفاً فكرياً، بل استحقاقاً وجودياً تفرضه تعقيدات الدولة الحديثة وتحديات الخدمة العامة. والمدخل الحقيقي لهذا البناء لا يكمن في استيراد نظريات جاهزة أو تكرار مقولات إدارية معلبة، بل في الإقرار أولاً بأن هندسة القطاع العام وبناء القدرات تستوجب التعددية في الفكر الإداري قبل أي شيء آخر. فالإدارة ليست علماً واحداً ولا مدرسة واحدة، بل هي مزيج من علوم السياسة والاقتصاد والاجتماع والقانون وعلم النفس التنظيمي، وأي محاولة لاختزالها في رؤية أحادية أو منهجية شخصية غير موضوعية لن تنتج سوى إدارة عرجاء منفصلة عن واقعها.

لقد عانينا طويلاً من ظاهرة "التنظير المنقطع عن الواقع"، حيث تُصاغ الخطط الاستراتيجية في غرف مغلقة، وتُبنى الهياكل التنظيمية على أوراق استشاريين لم تطأ أقدامهم ميدان الخدمة يوماً، ثم نتفاجأ بأن النتائج على الأرض لا تشبه الوعود على الورق. إن معالجة الاختلالات الكبرى في الجهاز الحكومي، من ترهل وظيفي إلى ضعف في جودة الخدمة، ومن تضارب صلاحيات إلى غياب للمساءلة، تحتاج إلى الميدان أكثر من حاجتها إلى القاعات. فالميدان هو المختبر الحقيقي الذي تُختبر فيه الأفكار، وهو الذي يكشف أن ما يصلح لوزارة المالية قد لا يصلح لوزارة الصحة، وأن ما نجح في بلدية كبرى قد يفشل في بلدية طرفية.

إن التعددية في الفكر الإداري تعني الاعتراف بأن للمواطن الذي يقف في طابور المراجعين رأياً في الهندسة الإدارية لا يقل أهمية عن رأي الخبير الدولي. وتعني أن الموظف في الصف الأول هو أقدر على تشخيص العقدة الإجرائية من المدير الذي يوقع على تعميم إلغائها. هذه التعددية لا تعني الفوضى، بل تعني بناء إدارة عامة تشاركية تستمع قبل أن تقرر، وتقيس الأثر قبل أن تعمم التجربة. فإعادة هندسة الإجراءات يجب أن تبدأ من شباك الخدمة لا من مكتب الأمين العام، وبناء القدرات يجب أن ينطلق من تحليل الفجوة في المهارات على رأس العمل لا من دورات تدريبية نمطية تُعقد لاستكمال المتطلبات الشكلية.

إن المنهجية الشخصية غير الموضوعية هي الخطر الأكبر على أي مشروع إصلاح إداري. فكم من وزير جاء برؤية فردية أراد أن يفرضها على جهاز عمره عقود، فانتهت ولايته وبقي الجهاز على حاله، بل ازداد ارتباكاً. الإصلاح الحقيقي هو إصلاح مؤسسي تراكمي، لا يستند إلى مزاج المسؤول ولا إلى قناعاته الشخصية، بل إلى بيانات دقيقة وتقييم محايد وتجريب ميداني. الموضوعية هنا تعني أن نعترف بفشل سياسة ما حتى لو كنا نحن من أطلقناها، وأن نتبنى فكرة ناجحة حتى لو جاءت من خصم سياسي أو موظف صغير.

لذلك، فإن هندسة القطاع العام الجديدة يجب أن تقوم على ثلاث ركائز. الركيزة الأولى هي "التشخيص الميداني التشاركي"، بحيث تنزل فرق العمل إلى مديريات الوزارات والمستشفيات والمدارس ومراكز الخدمات، وتصغي للموظف والمواطن معاً، وترسم خريطة الاختناقات الحقيقية لا المتخيلة. الركيزة الثانية هي "التجريب قبل التعميم"، فلا يجوز أن نغير نظاماً يخدم ملايين المواطنين بقرار مركزي واحد، بل نبدأ بنموذج تجريبي في محافظة أو مديرية، نقيس أثره، نعدل أخطاءه، ثم ننقله تدريجياً. أما الركيزة الثالثة فهي "الحوكمة القائمة على البيانات"، بحيث يكون قرار الإلغاء أو الدمج أو التوسع مبنياً على مؤشرات أداء واضحة، لا على انطباعات أو ضغوط.

إن إعادة بناء الإدارة العامة ليست مشروع قانون ولا هيكلاً تنظيمياً جديداً نعلقه على الجدار. هي ثقافة عمل جديدة تؤمن أن الحل يأتي من الميدان، وأن القوة في التعدد، وأن الموضوعية هي الضمانة الوحيدة لعدم تكرار الأخطاء. وعندما نتحرر من التنظير المنقطع عن الواقع، وننزل إلى حيث المشكلة الحقيقية، نكتشف أن الحلول موجودة، وأن الموظف الأردني قادر على الإبداع إذا منحته الثقة والمساحة. عندها فقط تتحول "هندسة القطاع العام" من شعار يتردد في المؤتمرات إلى واقع يلمسه المواطن في سرعة معاملته وعدالة خدمته وكرامة تعامله مع دولته.

الدكتور محمد المعاقبة استاذ القانون الاداري المشارك /كلية الحقوق الجامعة الاردنية

مدار الساعة ـ