أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حدادين يكتب: حوكمة تنفيذ المشاريع الحكومية الكبرى.. اللجان الذكية لإدارة المخاطر القانونية


المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين

حدادين يكتب: حوكمة تنفيذ المشاريع الحكومية الكبرى.. اللجان الذكية لإدارة المخاطر القانونية

مدار الساعة ـ

إدارة المخاطر القانونية عند تنفيذ المشاريع الحكومية الكبرى هي عنصرًا حاسمًا في تحديد نجاح المشروع أو تعثره.

فبينما تنشغل الجهات عادةً بجودة الصياغة التعاقدية ودقتها تكشف التجارب العملية أن النصوص، مهما بلغت من الإحكام تبقى عاجزة عن استيعاب جميع التحولات التي تفرضها بيئة التنفيذ.

هنا تحديدًا تنشأ الحاجة إلى كيان قانوني مؤسسي يواكب المشروع لحظة بلحظة ليس بوصفه مراقبًا بل كجزء من منظومة اتخاذ القرار خلال التنفيذ.

وفي هذا السياق تتجسد هذه الحاجة عمليًا من خلال تشكيل لجنة أو لجان متخصصة ذات طابع قانوني وهندسي تعمل بصورة تكاملية لمتابعة التنفيذ ويمكن أن تضم خبرات مشتركة من القطاع العام والقطاع الخاص، بما يعزز من جودة التحليل وواقعية المعالجة.

في المشاريع الكبرى تتقاطع الالتزامات التعاقدية مع اعتبارات قانونية وفنية وهندسية ومالية وتشغيلية متغيرة باستمرار. هذه الديناميكية تخلق مساحة واسعة لما يمكن تسميته "المخاطر القانونية المتحركة"، وهي تلك التي لا تكون كامنة في النص ذاته بل تتولد نتيجة طريقة تطبيقه في ظروف واقعية متغيرة.

التعامل مع هذا النوع من المخاطر يتطلب أدوات مختلفة عن تلك المستخدمة في مرحلة التعاقد حيث لا يكفي تفسير النصوص التعاقدية بل يجب فهم سياقها التنفيذي وتأثيرها الفعلي على سير المشروع. ومن هنا تبرز أهمية أن تكون هذه اللجان متعددة التخصصات بحيث يلتقي التحليل القانوني مع الفهم الهندسي الدقيق، في قراءة مشتركة تعكس حقيقة ما يجري على أرض الواقع.

ضمن هذا الإطار يبرز دور الكيان القانوني المتخصص في مرحلة التنفيذ بوصفه منصة تحليل مستمر لا تكتفي برصد المخالفات أو تسجيل التحفظات بل تعمل على تفكيك الإشكالات قبل أن تتصلب في صورة نزاع.

هذا الدور يعتمد على قراءة متعددة الأبعاد تجمع بين النص التعاقدي والواقع العملي وتوازن بين متطلبات الامتثال وضرورات الاستمرارية.

فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إثبات من هو على حق بل في منع تحول الخلاف إلى مسار يستنزف المشروع. وعندما تكون هذه المنصة ممثلة في لجنة أو لجان مشتركة تجمع بين خبرات حكومية وخاصة فإنها تكتسب قدرة أكبر على استيعاب مختلف زوايا النظر، وتقديم حلول أكثر توازنًا وقابلية للتطبيق.

أحد أكثر الجوانب حساسية في هذا السياق هو إدارة التفسير التعاقدي أثناء التنفيذ. فغالبًا ما تتعدد القراءات الممكنة للبند الواحد في العقد خاصة في العقود المعقدة ذات الطبيعة الفنية العالية. ترك هذا التعدد دون إدارة مبكرة يؤدي إلى تراكم مواقف متباينة بين الأطراف تتحول مع الوقت إلى مراكز قانونية متصلبة يصعب التراجع عنها.

من هنا تصبح المعالجة المبكرة للتفسير أداة وقائية بامتياز ليس فقط لحل الخلاف بل لمنع تشكله أساسًا وهي مهمة تضطلع بها هذه اللجان من خلال نقاشات مهنية تجمع بين التفسير القانوني والتحليل الفني.

كما أن إدارة الزمن في المشاريع الكبرى تمثل بُعدًا قانونيًا بقدر ما هي بُعد تشغيلي. التأخير في اتخاذ القرار، حتى لو كان بدافع التروي قد يخلق آثارًا قانونية مركبة خصوصًا عندما يرتبط بمطالبات مالية أو تمديد مدد تنفيذ.

الكيان القانوني الفعال هو الذي يدرك أن الوقت ليس مجرد عنصر محايد بل عامل مضاعف للمخاطر وأن سرعة المعالجة المدروسة قد توفر على المشروع سنوات من النزاع لاحقًا. وهنا تبرز فعالية اللجان المتخصصة التي تمتلك القدرة على الاجتماع السريع واتخاذ توصيات مبنية على فهم متكامل للجوانب القانونية والهندسية.

من زاوية أخرى فإن القيمة الحقيقية لهذا النموذج المؤسسي لا تتجلى فقط في حل الإشكالات القائمة بل في بناء ذاكرة تنفيذية للمشروع. هذه الذاكرة التي تتشكل من خلال توثيق القرارات والتحليلات والتوصيات تتحول إلى مرجع استراتيجي يمكن الاستفادة منه في مشاريع لاحقة بما يعزز من تراكم الخبرة المؤسسية ويقلل من تكرار الأخطاء.

وبهذا المعنى، فإن إدارة المخاطر القانونية لا تكون مجرد استجابة ظرفية بل استثمارًا طويل الأمد في كفاءة الجهاز الحكومي خاصة عندما تكون هذه المعرفة ناتجة عن عمل جماعي داخل لجان متعددة التخصصات.

ولا يمكن إغفال البعد النفسي والسلوكي في إدارة النزاعات التعاقدية. فطريقة التعامل مع الخلاف في مراحله الأولى ترسم ملامح العلاقة بين الأطراف طوال مدة المشروع. النهج التصعيدي يولد بيئة عدم ثقة بينما النهج التحليلي التوافقي يعزز من فرص التعاون حتى في ظل وجود خلاف. الكيان القانوني المتخصص ممثلًا في هذه اللجان يلعب دور الوسيط غير المعلن الذي يعيد صياغة الخلاف بلغة قابلة للحل بدل أن يتركه يتطور بلغة المواجهة.

وعند النظر إلى الكلفة الشاملة للنزاعات يتضح أن الأثر لا يقتصر على الرسوم القانونية أو أتعاب المحاماة والخبراء بل يمتد إلى تعطيل اتخاذ القرار وإرباك الجداول الزمنية وتآكل القيمة الاقتصادية للمشروع. في بعض الحالات، قد تتجاوز هذه الكلفة قيمة المطالبة نفسها ما يجعل من الوقاية خيارًا أكثر عقلانية من العلاج.

إدارة المخاطر القانونية خلال التنفيذ، بهذا الفهم، هي في جوهرها إدارة للكلفة غير المرئية التي قد لا تظهر في الميزانيات لكنها تؤثر بعمق في نتائج المشروع، وهو ما تسهم اللجان المتخصصة في الحد منه بشكل ملموس.

في السياقات الوطنية التي تسعى إلى جذب الاستثمارات تكتسب هذه المسألة بعدًا استراتيجيًا. فالمستثمر لا ينظر فقط إلى نصوص العقود بل إلى كيفية إدارتها عند الاختلاف. وجود آلية مؤسسية فعالة تتمثل في لجان قانونية وهندسية مشتركة لمعالجة الخلافات أثناء التنفيذ يبعث برسالة طمأنة مفادها أن البيئة التعاقدية قادرة على احتواء التعقيد دون الانزلاق إلى نزاعات طويلة. هذه الرسالة، في كثير من الأحيان تكون أكثر تأثيرًا من أي حوافز مالية أو تشريعية.

في الحالة الأردنية حيث تتزايد الحاجة إلى تنفيذ مشاريع بنية تحتية واستثمارية بكفاءة عالية يصبح تبني هذا النموذج مسألة مرتبطة بجودة الحوكمة أكثر من كونه خيارًا تنظيميًا.

فالتحدي لا يكمن في غياب الأطر القانونية، بل في كيفية تفعيلها بطريقة ديناميكية تتماشى مع واقع التنفيذ. إنشاء منظومة قانونية مرافقة للمشروع، قائمة على لجان متخصصة مشتركة بين القطاعين العام والخاص، تعمل بشكل مستمر وتتكامل مع الفرق الفنية والإدارية، من شأنه أن يغير طريقة إدارة المشاريع من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي.

لذلك يمكن القول إن إدارة المخاطر القانونية في مرحلة التنفيذ تمثل تحولًا في الفلسفة من التركيز على النص إلى التركيز على التطبيق ومن انتظار النزاع إلى منعه ومن التعامل مع القانون كأداة حسم إلى اعتباره أداة توجيه.

هذا التحول إذا ما تم تبنيه بجدية من خلال أطر مؤسسية واضحة قائمة على لجان متخصصة متعددة التخصصات كفيل بإعادة تشكيل طريقة تنفيذ المشاريع الكبرى وجعلها أكثر استقرارًا وقدرة على تحقيق أهدافها ضمن إطار قانوني متوازن وفعال.

مدار الساعة ـ