أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الاقتصاد الوطني وتجاوز الأزمات


سلامة الدرعاوي

الاقتصاد الوطني وتجاوز الأزمات

مدار الساعة (الغد) ـ

كيف يمكن لدولة كالأردن بموارد محدودة وبيئة إقليمية شديدة التعقيد أن تحافظ على تماسكها واستقرارها في ظل أزمات متلاحقة؟ الإجابة في الحالة الأردنية لا ترتبط بعامل واحد، إنما بمنهج متكامل يقوم على الاعتدال الإستراتيجي، وإدارة مؤسسية واعية، وتوازن دقيق بين الثبات والمرونة، انعكس بشكل مباشر على قدرة الدولة في حماية استقرارها السياسي والاقتصادي في آن واحد.

الأردن لم يبنِ سياساته على ردود الفعل أو الانخراط في صراعات الآخرين، لكن على وسطية مدروسة توازن بين المصالح وتحمي السيادة، وهذه الوسطية ليست حيادًا سلبيًا، وإنما موقف محسوب يحدد بوضوح أن الأردن ليس طرفًا في النزاعات الإقليمية، مع تمسك صارم بسيادته وأمنه، وهذا الموقف تُرجم عمليًا عندما يتم التعامل مع أي اختراق للأجواء أو تهديد مباشر باعتباره اعتداءً يستوجب الرد، ما يعكس قدرة الدولة على فرض قرارها السيادي، لا الاكتفاء بإعلانه.

هذا النهج السياسي يتكامل مع بنية مؤسسية عالية الجاهزية، حيث تعمل الأجهزة الأمنية والعسكرية، إلى جانب المؤسسات المدنية، ضمن منظومة منسجمة قادرة على إدارة الأزمات دون ارتباك، وهذه المهنية منعت انتقال التوترات الإقليمية إلى الداخل، وأبقت القرار الأردني مستقلًا، بعيدًا عن الضغوط أو ردود الفعل المتسرعة.

في المقابل، لا يمكن فصل قوة الدولة عن سلوك المجتمع، إذ إن التماسك الاجتماعي في الأردن يشكل امتدادًا طبيعيًا لهذا النهج، حيث يظهر وعي واضح بأن الاستقرار مسؤولية مشتركة، وأن أي تهاون في مسألة السيادة ينعكس مباشرة على الأمن الداخلي، وهذا الوعي يعزز الثقة بالمؤسسات، ويحدّ من أي سلوكيات قد تعكس القلق أو الذعر.

وعند الانتقال إلى الجانب الاقتصادي، تتضح صورة أكثر عمقًا لهذا التوازن، ففي وقت لجأت فيه دول عديدة إلى إجراءات استثنائية مثل تقييد الوقود، أو الإغلاقات، أو التوجه نحو الدولار والذهب، بقي المشهد في الأردن مختلفًا، إذ إن الحياة اليومية استمرت بشكل طبيعي؛ الأسواق مفتوحة، والحركة مستمرة، ولا مظاهر قلق جماعي على مستوى السلع أو الخدمات الأساسية.

الأهم أن السلوك النقدي لم يتجه نحو الهروب إلى العملات الأجنبية كما يحدث عادة في أوقات الأزمات، لكن بقي الطلب على الدينار قويًا، وهو مؤشر واضح على الثقة بالاقتصاد والسياسة النقدية، وهذه الثقة لم تكن نتيجة خطاب، لكن نتيجة أداء فعلي للبنك المركزي الذي تعامل مع السوق بكفاءة دون إرباك، ما عزز استقرار العملة.

كما أن المؤشرات المالية بقيت ضمن مستوياتها الطبيعية، دون قرارات مفاجئة أو مقلقة، واستمر التزود بالمحروقات والكهرباء دون اضطرابات، ولم تظهر اختلالات في سلاسل التوريد أو السلوك الاستهلاكي، حتى قطاع الطيران استمر بالعمل بشكل طبيعي، ما يعكس قدرة الدولة على حماية انسياب الخدمات الأساسية رغم البيئة الإقليمية المضطربة.

هذا الأداء يرتبط بطبيعة القرار الحكومي، الذي يقوم على الدراسة لا التجريب، وعلى الثبات لا التسرع، فالحكومة لا تتعامل مع الأزمات بوصفها حالات طارئة تتطلب قرارات انفعالية، لكن ضمن رؤية واضحة تمنع انتقال القلق إلى السوق، وهذا النهج يبدد المخاوف قبل أن تتحول إلى سلوك جماعي، ويمنح الفاعلين الاقتصاديين شعورًا بأن هناك إدارة واعية للمشهد.

التكامل بين السياسة النقدية والمالية لعب دورًا حاسمًا في ذلك، حيث وفرت السياسة النقدية سيولة وتسهيلات بشكل مدروس، في حين حافظت السياسة المالية على استقرارها دون تغييرات مفاجئة، ما خلق بيئة اقتصادية مستقرة قادرة على امتصاص الصدمات.

وفي المحصلة، النموذج الأردني ليس استثناءً عابرًا، لكن نتيجة تراكم منهجي يقوم على الاعتدال، ويستند إلى مؤسسات قوية، ويُحمى بمجتمع واعٍ، وهذا النموذج يفسر كيف استطاع الأردن أن يدير انعكاسات الأزمات المحيطة دون أن ينقلها إلى الداخل، ويحافظ على استقرار العملة والأسواق والخدمات، والأهم من ذلك، يحافظ على ثقة المواطن، وهي العامل الحاسم في أي معادلة صمود

مدار الساعة (الغد) ـ