أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الكيلاني تكتب: جرائم قتل الأطفال بين الدوافع الظاهرة والانهيار القيمي


المحامية أسيل برهان الكيلاني

الكيلاني تكتب: جرائم قتل الأطفال بين الدوافع الظاهرة والانهيار القيمي

مدار الساعة ـ

لم تعد جرائم قتل الأطفال مجرد وقائع جنائية عابرة، بل أصبحت مؤشرًا خطيرًا على خلل عميق في البنية المجتمعية والقيمية. هذه الجرائم، التي تمس الفئة الأضعف والأكثر حاجة للحماية، تفرض علينا الوقوف أمام أسبابها الحقيقية بعيدًا عن التبسيط أو التبرير.

من الناحية الظاهرية، تتعدد الدوافع؛ فقد يكون الفقر أحد العوامل الضاغطة التي تدفع البعض إلى حافة الانهيار، كما قد يلعب الانتقام أو النزاعات الأسرية دورًا في تفجير سلوك إجرامي، ولا يمكن إغفال أثر المخدرات في تغييب الإدراك وإضعاف السيطرة على السلوك. إلا أن هذه العوامل، على خطورتها، تظل عوامل مساعدة وليست أصل المشكلة.

الواقع يشير إلى أن القاسم المشترك في كثير من هذه الجرائم هو تراجع الوازع الأخلاقي والديني، وغياب الضمير الحي الذي يشكل الحاجز الأول أمام ارتكاب الجريمة. فالقانون، مهما بلغت شدته، يظل عاجزًا عن ضبط السلوك في غياب رقابة داخلية نابعة من الإيمان والقيم.

الأخطر في هذه الظاهرة هو التحول في مصدر الخطر؛ فبعد أن كان الخوف يتركز على الغرباء، أصبحت بعض الجرائم تُرتكب داخل محيط الأسرة، ومن قبل أشخاص يفترض أنهم مصدر الأمان. وهذا التحول لا يمكن تفسيره إلا بوجود خلل في منظومة التربية، وضعف في ترسيخ مفاهيم الرحمة والمسؤولية.

ومن زاوية قانونية، فإن التشريعات الجزائية تجرّم هذه الأفعال بأشد العقوبات، وقد تصل في بعض الحالات إلى أقصى درجات الردع، إلا أن الردع القانوني وحده لا يكفي ما لم يُدعم بردع مجتمعي وأخلاقي. فالجريمة لا تبدأ عند لحظة ارتكابها، بل تبدأ حين يُسمح للأفكار المنحرفة بالنمو دون رادع.

إن حماية الأطفال ليست مسؤولية الأسرة فقط، بل هي مسؤولية مشتركة بين القانون، والمؤسسات التربوية، والمجتمع بأكمله. كما أن تعزيز الوعي بالصحة النفسية بات ضرورة، في ظل وجود حالات قد تتفاقم نتيجة الإهمال أو الوصمة الاجتماعية.

ختامًا، فإن معالجة هذه الجرائم تتطلب العودة إلى الأساس: بناء إنسان متوازن، مرتبط بقيمه ودينه، ومدرك لخطورة أفعاله. فالمجتمع الذي يفرّط في حماية أطفاله، إنما يفرّط في مستقبله، وأي خلل في الضمير لا يمكن أن يعوّضه نص قانوني مهما كان صارمًا.

مدار الساعة ـ