أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الشياب يكتب: حين تُباع الأحلام ثم تُستبدل بالإسمنت


الدكتور المهندس عطا الشياب

الشياب يكتب: حين تُباع الأحلام ثم تُستبدل بالإسمنت

مدار الساعة ـ

هناك مواطنون لم يشتروا قطعة أرض لمجرد الاستثمار أو الادخار، بل اشتروها بحثًا عن حياة هادئة، وعن زاوية من الوطن تصلح أن تكون بيت العمر، ومكانًا تنمو فيه الأسرة بعيدًا عن ضجيج المدينة واكتظاظها. دفعوا مئات آلاف الدنانير لأن الموقع مميز، ولأن التنظيم “خاص”، بما يحمله هذا الوصف من معنى واضح: حي راقٍ، منخفض الكثافة، تحكمه الخصوصية، ويصون قيمة العقار وجودة الحياة.

لكن المفاجأة المؤلمة تبدأ عندما تتحول تلك المناطق، بعد سنوات من الاستقرار، إلى هدف لشركات الإسكان، فتدخل المشاريع تباعًا، وترتفع الأبنية المتلاصقة، وتزداد الشقق، وتضيق الشوارع، وتتراجع الخصوصية، ويبهت الطابع الذي من أجله اشترى الناس هناك.

القضية هنا ليست رفضًا للتنمية، ولا اعتراضًا على الاستثمار، بل دفاع عن العدالة التنظيمية، وعن حق المواطن في أن يثق بأن صفة “تنظيم خاص” ليست مجرد عبارة على الورق، بل التزام حقيقي يحمي طبيعة المنطقة.

وفي معظم مدن العالم، هناك أحياء مخصصة للفلل والسكن الهادئ، لا يسمح فيها بالبناء الكثيف، حفاظًا على هوية المكان وتوازن المدينة. أما تغيير الواقع تدريجيًا تحت مبررات قانونية، فهو استنزاف لثقة الناس قبل أن يكون تغييرًا عمرانيًا.

أما الحل، فهو واضح وصريح:

إذا كانت المنطقة مصنفة تنظيمًا خاصًا، فيجب منع شركات الإسكان منعًا تامًا من البناء فيها، حتى لو التزمت بحدود الارتداد ونسب البناء والاشتراطات الفنية. لأن المشكلة ليست فقط في مخالفة الأسس، بل في طبيعة المشروع نفسه، الذي يحول المنطقة من سكن خاص منخفض الكثافة إلى تجمعات متعددة الوحدات.

فالفيلا الواحدة تختلف أثرًا عن مشروع يضم عدة شقق، من حيث المرور، المواقف، الضجيج، الخدمات، والخصوصية. وبالتالي فإن الالتزام الشكلي بالتنظيم لا يعني الحفاظ على روح التنظيم.

إن المطلوب اليوم قرار شجاع يعيد تعريف الغاية من “التنظيم الخاص”، ويؤكد أن هذا التصنيف وُجد لحماية نمط سكني معين، لا للالتفاف عليه. كما أن من حق المواطنين الذين استثمروا أموالهم في تلك المناطق أن تُصان توقعاتهم المشروعة، وألا يُفاجأوا بتحول أحيائهم إلى كتل إسمنتية.

فالمدن الناجحة لا تُقاس بعدد الأبنية، بل بحسن توزيعها. والتنظيم ليس خرائط فقط، بل وعدٌ بين الدولة والمواطن يجب الوفاء به.

مدار الساعة ـ