مدار الساعة - محمد الطراونة (الجزيرة نت) -
في جبل الجوفة وسط عمّان، يمضي المواطن الأردني أبو حازم (60 عاما) بخطوات متثاقلة مستندا إلى عكازه، يتنقل بين رفوف الملابس بهدوء، يختار ما يحتاجه بعناية، لا كمتلقٍ للمساعدة، بل كإنسان يبحث عن حقه بكرامة بعد أن ضاقت به سبل الحياة.مشهد يتكرر يوميا داخل "بنك الملابس الخيري"، حيث تتحول التبرعات إلى حياة جديدة لآلاف الأسر.يقول أبو حازم لـ"الجزيرة نت" إن علاقته بالبنك تمتد لنحو 5 سنوات، لم يشعر خلالها بأنه "محتاج" أو موضع شفقة، بل يخرج في كل زيارة حاملا ما تيسر من ملابس نظيفة له ولأحفاده، في أجواء تشبه أي متجر عادي.من مبادرة محدودة إلى شبكة وطنيةبدأت فكرة "بنك الملابس الخيري" عام 2013، عندما أطلقتها "الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية" استجابة للظروف الاقتصادية التي أثرت في شريحة واسعة من المجتمع، بهدف توفير كسوة كريمة للأسر الأردنية العفيفة عبر تبرعات أهل الخير.وانطلق المشروع من جمع الملابس من منازل المتبرعين، قبل أن يتوسع تدريجيا ليشمل شبكة من صناديق التبرع المنتشرة في مختلف المناطق. تُنقل الملابس إلى المستودعات، ثم تُفرز وفق معايير تضمن جودتها وصلاحيتها قبل عرضها للمستفيدين في صالات مخصصة."غرفة العرائس".. ليلة العمر بلا كلفةآيات، شابة في العشرينيات من عمرها تقف على أعتاب الزواج، تدرك الظروف المالية الصعبة التي يمر بها خطيبها، فتتجه إلى "بنك الملابس" الذي خصص غرفة للعرائس، تتيح لهن اختيار ما يحتجنه من فساتين وأحذية ومستحضرات تجميل، استعدادا لليلة العمر دون أي كلفة.تقول آيات لـ"الجزيرة نت" إنها لجأت إلى البنك لأنه جهة متخصصة في دعم المحتاجين بطريقة تحفظ الكرامة، بعيدا عن التشهير أو التصوير الذي يمارسه بعض المتبرعين أحيانا، مضيفة أن هذه المبادرة تمنحها "شعورا بالاحترام والطمأنينة" في بداية حياتها الجديدة.آلية منظمة تحفظ الكرامةيستهدف البنك فئات متعددة، تشمل الأسر المسجلة لدى صندوق المعونة الوطنية والجمعيات الخيرية والأرامل والمطلقات والأيتام وكبار السن وذوي الإعاقة، ضمن آلية تهدف لضمان العدالة في التوزيع وحفظ كرامة المنتفعين.
يحصل كل فرد على مجموعة من الملابس والأحذية واحتياجات أخرى، في بيئة تحاكي تجربة التسوق الاعتيادية، رفوف مرتبة ومقاسات متنوعة وغرف قياس، بعيدا عن الطابع التقليدي للمساعدات التي تُقدم في أكياس عشوائية أو أمام عدسات الكاميرات.منذ تأسيسه، تمكن "بنك الملابس الخيري" من خدمة ما يزيد على 2,103,518 منتفعا، وتوزيع أكثر من 9,810,397 قطعة ملابس، في واحدة من أكبر المبادرات المجتمعية المنظمة في الأردن.وفي عام 2026 وحده، بلغ عدد الأسر المستفيدة 7,080 أسرة حتى الآن، بعدد إجمالي وصل إلى 97,156 فردا، جرى تزويدهم بـ407,004 قطع ملابس، عبر 9 صالات متنقلة جابت مختلف مناطق الأردن، في مؤشر على اتساع نطاق الخدمة واستمراريتها.المتطوعون.. القلب النابض للمبادرةيشكل المتطوعون ركيزة أساسية في عمل البنك، إذ يشارك يوميا ما بين 70 و100 متطوع في عمليات الفرز والتنظيم واستقبال الأسر. وقد تجاوز إجمالي عدد المتطوعين منذ انطلاق المشروع 61 ألف متطوع، في صورة تعكس روح التكافل المجتمعي في الأردن."التبرعات أمانة".. شهادة من داخل البنكتقول مديرة بنك الملابس الخيري، روان مساعدة، في حديثها لـ"الجزيرة نت"، إن إطلاق المشروع جاء "استجابة مباشرة للظروف الاقتصادية التي شهدها المجتمع"، بهدف تأمين "كسوة كريمة للأسر الأردنية من خلال تبرعات أهل الخير".وتوضح أن المشروع بدأ بجمع الملابس من المنازل، ثم توسع ليشمل شبكة واسعة من صناديق التبرعات في مختلف المحافظات، مشيرة إلى أن المتطوعين يشاركون يوميا في عمليات الفرز واستقبال الأسر، "بما يضمن استمرارية العمل وكفاءته".
وتلفت إلى أن الشراكة مع صندوق المعونة الوطنية تمثل عنصرا أساسيا لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، مؤكدة أن "التبرعات أمانة يجب إيصالها للأسر الأكثر حاجة وفق أسس مدروسة".وتضيف أن البنك، على مدار سنوات عمله، تمكن من الوصول إلى ملايين المستفيدين في مختلف محافظات المملكة، عبر صالات ثابتة ومتنقلة، وبرامج متعددة تستهدف مختلف الفئات، مشيدة في الوقت نفسه بدعم المتبرعين والقطاع الخاص وروح العطاء التي يتميز بها المجتمع الأردني.وبينما تستمر هذه الجهود، يبقى "بنك الملابس الخيري" أكثر من مجرد مشروع توزيع ملابس، إنه قصة إنسانية تُكتب تفاصيلها يوميا بأيدي المتبرعين والمتطوعين، وتترجم إلى كرامة تُستعاد لآلاف الأسر التي وجدت فيه ملاذا يحفظ إنسانيتها، ويمنحها حق اختيار ما ترتديه لا ما يفرض عليها.ولا يقتصر دور البنك على توزيع الملابس، بل يتعدّاه إلى تنفيذ برامج متخصصة تستهدف الأطفال وكبار السن والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة، إلى جانب مبادرات نوعية لدعم المقبلين على الزواج من ذوي الدخل المحدود، ضمن منظومة تسعى لتلبية احتياجات الفئات الأكثر هشاشة.















