حفظ الله سيدي صاحب الجلالة وباني نهضة الأردن الحديث جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم.
ففي دولةٍ راهنت يا سيدي بهمة الهاشميين، ملوك التاريخ، وعبر تاريخها الحديث على الإنسان بوصفه المورد الأثمن، لا يمكن النظر إلى التعليم بوصفه قطاعاً خدمياً تقليدياً، بل باعتباره البنية التحتية الحقيقية للدولة، وهذا ما أكدتم عليه في كل كتب التكليف السامية. واليوم وحين تتراجع جودة التعليم، لا يتأثر جيل واحد فحسب، بل تتآكل قدرة الدولة على الاستمرار والمنافسة لعقود قادمة.اليوم، نقف أمام واقع تعليمي يستدعي مصارحة وطنية شجاعة: فلدينا نظام تعليمي يمتلك الكفاءات والإمكانات، لكنه مُثقَل بالاختلالات، مُكبَّل بالبيروقراطية، ومُبتعد تدريجياً عن دوره في إنتاج المعرفة وبناء الإنسان.وهذه ليست أزمة عابرة… بل تراكمات تتطلب ثورة بيضاء شاملة.أولاً: المدرسة… حين يفقد التعليم روحهلم تعد المدرسة في كثير من الأحيان فضاءً لاكتشاف الذات وتنمية المهارات، بل أصبحت محطة عبور نحو الامتحان. الطالب يُقاس بقدرته على الحفظ، لا بقدرته على التفكير. الأسئلة تُصاغ لاختبار الذاكرة، لا لقياس الفهم أو التحليل أو الإبداع.هذا التحول الخطير خلق فجوة بين الطالب والحياة. فخريج المدرسة قد يحفظ قوانين الفيزياء، لكنه يعجز عن تفسير ظاهرة بسيطة في بيئته. يحفظ قواعد اللغة، لكنه لا يستطيع التعبير عن فكرة بوضوح.أما المناهج، فهي تعاني من إشكاليات مركبة:ضعف في الدقة العلمية أحياناًخلل في التسلسل المنطقي للمفاهيملغة غير جاذبة أو غير دقيقةغياب الربط بين المعرفة النظرية والتطبيقوالأخطر، غياب التحديث المنتظم المبني على مراجعات علمية مستقلة، لا إدارية.أما الرياضة المدرسية، فقد تم تهميشها بشكل غير مبرر، رغم أنها ليست نشاطاً ترفيهياً بل ضرورة تربوية وصحية. أمةٌ لا تبني أجساد أبنائها، تُضعف قدرتهم على الإنتاج والانضباط والصمود.ثانياً: الجامعة… المعرفة المؤجلة والبحث المُفرغ من مضمونهفي الجامعات، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالمفترض أن تكون الجامعة مصنعاً للأفكار، ومنصة للابتكار، ومحركاً للتنمية. لكن الواقع يشير إلى انزياح خطير:البحث العلمي في جزء كبير منه أصبح موجهاً لتحقيق الترقية الأكاديمية، لا لحل مشكلات الوطنالإنتاج العلمي يُقاس بالكمّ لا بالنوعالنشر يتم أحياناً في مجلات ضعيفة التأثير، فقط لاستيفاء الشروطهذا لا ينتقص من وجود نماذج مشرفة، لكنه يعكس خللاً في النظام لا في الأفراد.المعلم والأستاذ الجامعي، الذين يُفترض أن يكونوا قائدة فكر، يعيشون بين ضغط التدريس، وضعف التمويل، وغياب الحوافز، والخوف من الانتقام (تحدثت عن ذلك بمقال شامل عام ٢٠١٧).ومع مرور الوقت، يتحول الإبداع إلى روتين، والطموح إلى حدٍّ أدنى من الإنجاز.أما التفرغ العلمي، فلقد فقد في كثير من الحالات جوهره الحقيقي. فبدلاً من أن يكون فرصة لإنتاج نوعي واختراق معرفي، أصبح إجراءً شكلياً أو إدارياً، لا يُقاس أثره الحقيقي على المؤسسة أو الوطن.ثالثاً: الحوكمة… حين تُدار الجامعات بعقل غير أكاديميلا يمكن إصلاح التعليم الجامعي دون مواجهة ملف الحوكمة بوضوح. فقد شهدت بعض الجامعات في فترات سابقة ممارسات إدارية أضعفت الثقة، وأثّرت على العدالة المؤسسية، بل وسُجلت حالات أخلّت بالأمانة الأكاديمية.الجامعة ليست دائرة حكومية تقليدية، ولا شركة ربحية. إنها كيان معرفي يجب أن يُدار وفق معايير:الشفافيةالكفاءةالاستقلال الأكاديميالمساءلةوحين تغيب هذه القيم، تتحول الجامعة إلى بيئة طاردة للكفاءات، ومحبِطة للمبدعين.رابعاً: غياب المبادرة… حين يُخشى التفكير خارج الصندوقمن أخطر المؤشرات هو غياب ثقافة المبادرة في النظام التعليمي. الطالب لا يُكافأ على الفكرة، بل على الإجابة النموذجية. المعلم لا يُشجَّع على الابتكار، بل على الالتزام بالنص.في مثل هذه البيئة، يموت الإبداع بصمت.نحن لا نُعاني من نقص في الذكاء، بل من نقص في البيئة التي تسمح للذكاء أن يتحول إلى إنجاز..خامساً: كلفة التراجع… ما لا يُقال بالأرقامتدني جودة التعليم لا يظهر فقط في نتائج الامتحانات، بل في:ضعف مخرجات سوق العملارتفاع نسب البطالة بين الخريجينتراجع القدرة التنافسية للاقتصادهجرة العقول والكفاءاتضعف الإنتاجية الوطنيةإنها كلفة صامتة، لكنها عميقة الأثر.سادساً: الثورة البيضاء… مشروع وطني لا يحتمل التأجيلالثورة البيضاء ليست تغييراً شكلياً، بل إعادة تأسيس. وهي تتطلب إرادة سياسية، وقيادة فكرية، ومشاركة مجتمعية.ملامح هذه الثورة يجب أن تشمل:1. إعادة تعريف التعليم من نظام يُخرّج طلبة إلى نظام يُنتج إنساناً مفكراً، قادراً على التحليل، الابتكار، والعمل الجماعي.2. إصلاح جذري للمناهج بمراجعات علمية مستقلة، وإدخال مهارات التفكير النقدي، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي.3. تمكين المعلم فلا إصلاح دون معلم مؤهل، مُحفَّز، محترم اجتماعياً ومادياً.4. إعادة الاعتبار للرياضة المدرسية كجزء أساسي من بناء الإنسان، وليس نشاطاً هامشياً.5. إعادة هيكلة البحث العلمي بربطه مباشرة بأولويات الوطن: الماء، الطاقة، البيئة، السياحة، الصناعة.6. تفعيل حقيقي للتفرغ العلمي مع تقييم صارم لمخرجاته وربطه بالإنتاج النوعي.7. إصلاح الحوكمة الجامعية بأنظمة شفافة، ومجالس قوية، وفصل واضح بين القرار الأكاديمي والإداري.8. بناء منظومة ابتكار وطنية تبدأ من المدرسة، وتصل إلى حاضنات الأعمال، وتُربط بالقطاع الخاص.سيدي صاحب الجلالة،لقد أثبتم أن الإصلاح حين يكون شجاعاً ومدروساً، يُحدث الفرق. والتعليم اليوم ليس ملفاً قطاعياً، بل هو مستقبل الدولة.إننا بحاجة إلى قرار تاريخي يُعيد الاعتبار للعلم، ويحرر الطاقات الكامنة في شبابنا، ويُحوّل التحديات إلى فرص.ثورة بيضاء في التعليم… لا تُحدث ضجيجاً، لكنها تُغيّر كل شيء.الفرجات يكتب: أمام سيدي جلالة الملك.. التعليم الجامعي والمدرسي وحاجتهما لثورة بيضاء شاملة
أ.د محمد الفرجات
الفرجات يكتب: أمام سيدي جلالة الملك.. التعليم الجامعي والمدرسي وحاجتهما لثورة بيضاء شاملة
مدار الساعة ـ
